لا أخشى عليك إلا ممن تحب*




والله لا أخشى عليك إلا ممن تحب، لا ممن تكره يا عثمان... الإمام علي (ع)*

. . .

مهما غابت الحقائق الخفيّة عن أي أمر جلل فلا بد أن تظهر للعلن في قادم الأيام، وخيوط الفتنة الكبرى ما كان لها أن تبقى طي الأسرار المنسية ولو بعد ألف وأربعمائة عام حتى تجد طريقها إلى الظهور بشكل أو بآخر، وإذا كان من المتعذر لأي من الطوائف الإسلامية أن يسردها بحيادية وبدون رفّة جفن إلا فيما نذر إلا أن الزمان والظروف الموضوعية المعاصرة في عصر الانترنت والتيقن أتاح الفرصة للكاتب والروائي الشهير إبراهيم عيسى في روايته المثيرة "رحلة الدم"، القتلة الأوائل، أن يكشف الحقيقة كاملة.

لقد أزاح الكاتب بأسلوبه المشوّق الستار عن التفاصيل والخبايا الدقيقة التي تخفى النوايا الحقيقية خلف الكلمات، وبذلك أظهر للقاريء مساحة أكبر من البراهين ودلالاتها للوقوف على بواعث الفتنة متمثلة في سلوك عرب البلاد العربية أو ما يعرف بالشرق الأوسط حاليا؛ لقد كانوا في تأرجح اجتماعي بين كفتين لم تستقرا بعد، جاهلية متجذرة وموغلة في القدم، وإسلام حضاري فتي لم يحظَ بالوقت الكافي في صقل سلوك العرب ومغالبة الوقت والظروف القائمة لترجيح كفته، ولو بشكل متوازن فأفرز فئة متصلّبة جسّرت التعصب الجاهلي إلى الإسلام نهجا في شكل زهد وتنسك ديني مفرط أقرب للتطرف منه إلى التدين قبالة فئة قلة من العقلاء تحاور العقل والمنطق في فك رموز أي معضلة منعا لأي فتنة محتملة ووأدها في مهدها، أما الغالبية العظمى أو الدهماء فبقوا وقود الفتن وشعلتها المتّقدة عند الحاجة وبين الثانية والثالثة فئة انتهازية مترقبة ترصد بحذر كل صغيرة وكبيرة كي تحوز الخلافة، أو أي منصب رسمي في إحدى الأمصار مستفيدة من غلو الأولى وجهل الثالثة ببواطن الأمور ولكن كان يلف هذه الفئات جميعا نسيج عاطفي موغل في القلوب والنفوس يغالب العقل حتى يكاد يصرعه عندما يجنح إلى الاعتداد بالنفس والتفاخر بفضائل النسب والأهل والجاه والعشيرة ذخيرة العرب وناموسهم الفكري والاجتماعي.

من قراءتي للرواية "رحلة الدم" أرى أن أسباب الفتنة قد تشكّلت وتنامت وتكاملت في ثلاثة أمور جوهرية دشنها الخليفة عثمان ابن عفان في الخروج على نهج سابقيه أبوبكر الصديق، وعمر ابن الخطاب، بعد مرور ثلاث وعشرون عاما على وفاة النبي (ص) وهي ما يكن أن نسميها برياح التغيير.

الأمر الأول : عندما فتح النبي محمد (ص) مكة ودانت له القلوب قبل العقول عفا عن بعض المشركين من أعدائه فقال عبارته المشهورة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" في حين استثنى البعض لأسباب خاصة مثل الحكم، وابنه واكتفى بنفيهم إلى الطائف، هذا الأمر أقره الخليفة أبو بكر الصديق وأبقى عليه الخليفة عمر ابن الخطاب احتراما لقرار رسول الله، ولكن ما أن تولى عثمان الخلافة حتى أعادهما إلى المدينة دون أن يستشير أحدا من صحابة الرسول كالإمام علي وطلحة والزبير ومحمد ابن أبي مسلمة وغيرهم، ولم يكتفِ بذلك، بل قرّب إليه مروان ابن الحكم وجعله من خاصته ووزيره الذي يرجع إليه في كل صغيرة وكبيرة وكانت هذه أول سابقة في خلافة الراشدين، وكان لها بالغ الأثر في زرع بذور الفتنة وخروج العامة عليه كما سنرى لاحقا.


الأمر الثاني: زاد عثمان على الأمر الأول بأن قرّب بني أمية وجعلهم ولاة على الأمصار مثل الوليد بن عقبة والياً على الكوفة، و كان ماجنا وبعد أن رفع أهل الكوفة الشكوى لعثمان عزله ووضع مكانه أخوه من أمّه سعيد بن العاص، ونفس الأمر في مصر، حيث عزل عمرو بن العاص ووضع مكانه عبدالله ابن أبي السرح، إخوة بالرضاعة وكان سيء السمعة، ومن المرتدين عن الإسلام والمجاهرين بالكفر بنبوة النبي محمد وقد توسط له عثمان عند الرسول فعفا عنه كما أن عثمان أبقى على ولاية معاوية ابن أبي سفيان لدمشق لأنه ابن عمه (وكان أخوه يزيد واليا على الأردن وعندما مات يزيد وكان ذلك في عهد الخليفة عمر ابن الخطاب ضم عمر ابن الخطاب الأردن إلى سلطة معاوية) وفي عهد عثمان مات الوالي على فلسطين عبد الرحمن ابن علقمة فضمّ عثمان فلسطين إلى ولاية معاوية، كما قام بعزل عمير بن سعد الأنصاري حاكم حمص لاحقا وأضافها إلى سلطة معاوية، وبذلك اجتمعت عند معاوية الأجناد الأربعة ولم يبقَ سوى أبو موسى الأشعري واليا على البصرة فعزله عثمان وجعل عليها ابن خاله عبدالله بن عامر بن كريز فشاع عن عثمان تقريبه لأهله وأبناء عمومته من بني أمية وبني معيط وكأنما خلت البلاد الإسلامية من صحابة رسول الله الصالحين الأكفاء لشغل هذه المناصب، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن عثمان ليّن الجانب بطبعه ولم يكن عنده من الأولاد من يستطيع الاعتماد عليهم في إدارة مهام الخلافة، وربما شعر أنه يحتاج إلى قوم من أهله يستقوي بهم عند الحاجة، على عكس عمر بن الخطاب الذي كان قويا شديدا الشكيمة يخشاه الولاة جميعا بما فيهم معاوية وكان لا يتردد في تقويم اعوجاج أي منهم على اختلاف أنماطهم.


الأمر الثالث : كان عثمان ابن عفان كريما في طبعه فشهد عهده انفراجا في أحوال المسلمين المالية بعد أن اغتنت الدولة الإسلامية من الفتوحات الكبرى لبلاد الشام وفارس والفسطاط فشرع في صرف الأعطيات للجميع بدون استثناء ولكنه أجزل العطاء لذويه وأقاربه مما اثأر حفيظة الجنود الذين فتحوا الأمصار ووجدوا أنهم أحق بهذه الأعطيات لأنهم أهدفوا صدورهم ونحورهم لسيوف ورماح العدو ومما زاد الطين بلّه أنه بلغ مسامع عمار ابن ياسر أمين بيت مال المسلمين أن صندوق جواهر وحلي وعقد خاصة ببيت المال من غنائم المسلمين في مصر قد خصّها عثمان لنفسه وأهداها إلى زوجته نائلة وعندما طالبه عمار ابن ياسر القائم على بيت المال بإعادتها رفض الخليفة عثمان وعندما ألزمه عمار في المسجد وعلى مشهد من الناس امتنع عثمان، وبعد مشادة كلامية شديدة طلب من حرسه التدخل فضربوا عمار الشيخ المسن ضربا مبرحا حتى أغمي عليه مما سبب هرجا ولغطا شديدا في نزاهة عثمان وبذلك دقّ عثمان إسفيناً آخراً في علاقته بالرعية مما أججّ عليه قلوبهم وزاد من أعداد معارضيه الذين رأوا فيه خروجا على سنة سابقيه، وقد كان لهذا الأمر سوابق عديدة عندما أقرض الخليفة عثمان سعد ابن أبي وقاص الوالي على الكوفة مبلغا من المال مقابل صك وعندما طالبه عبدالله ابن مسعود بالسداد اعتذر وطلب مهلة وأوعز إلى ابن مسعود بالرجوع إلى الخليفة الذي عزل سعد ابن أبي وقاص وولي مكانه الوليد بن عقبة وتكرر الأمر عندما استدان طلحة مبلغ خمسين ألفا من بيت المال وعندما حان وقت السداد أرسل طلحة إلى عثمان أن ابعث لي من أقبض له المال ولكن لسبب ما قال له عثمان بل هو لك معونة على مروءتك، بل وزاد عليه وأعطاه منحة من بيت المال مائتي ألف درهم بغير وجه حق، كما تكرر هذا الأمر عندما منح الخليفة قريبه مروان ابن الحكم ثلاثمائة ألف درهم ولم تكن من مغنم أو قرض يستحق السداد ولك أن تتخيل عزيزي القاريء حجم هذه المبالغ وما يساويه بالدولار حاليا، وكم قيمتها الشرائية في ذلك الوقت!!.

بسبب تلك التجاوزات كثر اللغط كما كثر المعارضون لنهج عثمان الذي قرّب أهله من بني أمية وبني معيط وكان على رأس معارضيه محمد ابن أبي حذيفة، وكان ربيب عثمان وعندما آلت الخلافة لعثمان طلب من الخليفة أن يوليه فأبي، فطلب أن يأذن له بالخروج إلى المدينة فخرج إلى مصر.

وقد بدأت الفتنة في الكوفة مع مجموعة من الكوفيين وعلى رأسهم الأشتر ابن مالك مع سعيد ابن العاص بعد أن قال الأخير: إن السواد يعني أرض العراق، ملك لآل قريش فردوا عليه أن المسلمين سواسية والسواد ملك للجميع وكادوا أن يشتبكوا معه فما كان منه إلا أن شكاهم للخليفة عثمان الذي أمر بنفيهم إلى الشام لكي يتولى معاوية أمرهم فكان لغطهم وتشهيرهم بمعاوية ومنهجه في الحكم حتى كادوا أن يؤججوا عليه الناس، وبعد أن ضاق ذرع معاوية بهم شاور الخليفة في أمرهم فطلب منه إرسالهم إلى الكوفة وما أن حلّوا بالكوفة حتى أطلقوا ألسنتهم في سعيد ابن العاص مجددا فكتب إلى الخليفة فأمر بنفيهم إلى الجزيرة عند عبدالرحمن ابن خالد بن الوليد فضاق ذرع ابن الوليد بهم وسامهم العذاب والإذلال فرضخوا لبعض الوقت إلا أنهم كانوا على تواصل مع المعارضين في الفسطاط والكوفة والبصرة. أما محمد ابن أبي حذيفة، ربيب عثمان فقد طلب الإذن بالذهاب إلى فسطاط مصر عند الوالي عبدالله ابن أبي السرح كم اسلفت ، وبسبب علاقة ابن أبي حذيفة بعثمان حاول ابن أبي السرح غضّ الطرف عن بعض تجاوزاته وانخراطه مع المعارضين وكان على رأسهم عبدالرحمن ابن عديس، وكنانة، وسودان، وجبلة، ومحمد ابن أبي بكر، وعمرو الليثي، وابن ملجم وهكذا اشتد عود هذه العصبة وكبرت وزاد عددهم بعد أن أوغلوا ألسنتهم في فضح عثرات عثمان الذي يرون فيه خروجا على سنة رسول الله والخلفاء من قبله، وعليه أن يصلح أموره.

كانت الأحداث تتواصل بين المدينة مركز الخلافة، وباقي الأمصار مثل أمواج البحر ذهابا وإيابا، فتعود محملة بالتشدد في إصلاح أمر الخلافة وإعادة الأمور على الجادة، ولما اشتدت الأمور على عثمان زار الإمام علي ابن أبي طالب في بيته وسأله المشورة، فطلب منه الإمام مثل كل مرة (إصلاح الأمور؛ وذلك بعزل الولاة الأمويين واستبدالهم بآخرين وإرجاع الحقوق إلى أصحابها لإسكات الفتنة)، ولكن عثمان وبعد أن وافق على المشورة قام بعمل مختلف عن كل مرة إذ استدعى ولاة كل الأمصار وأخذ مشورتهم فيما يجب عمله مع المتمردين الذين علا صوتهم وكبر عددهم ووصل صيتهم إلى كل الأمصار خصوصا في مصر، والكوفة، والبصرة فشار عليه معاوية : بأن هذا من عمل الولاة (حكام الأقاليم) في حين أشار عليه سعيد ابن العاص: بقتل قادة المعارضة، بينما أشار عليه عبدالله ابن أبي السرح :برشوتهم (وهذا ما فعله ابن أبي السرح مسبقا في محاولة رشوة محمد ابن أبي حذيفة في الفسطاط فما كان من الأخير إلا أن قدم إلى المسجد وعلى مرأى من الناس، وفتح الكيس وأفرغ منه ثلاثين ألف درهم ورمى بالنقود في المسجد أمام الناس لكي يثبت لهم تواطؤ الخليفة عثمان في محاولة رشوته) في الحال رد مروان ابن الحكم على ابن أبي السرح قائلا: (لو كانت الصرر ذات جدوى لأثنت الثلاثون ألف درهم ابن أبي حذيفة عن نواياه) فردّ عليه ابن أبي السرح: بل هو غاضب من الثلاثمائة ألف درهم التي منحك إياها الخليفة وما اقتطعك إياها من مغنم. أما عبدالله ابن أبي عامر: فقد أشار عليه بشغلهم بالجهاد والفتوحات في سبيل الله وقد استحسن عثمان رأيه.

عندما انفض المجلس وعاد كل والٍ إلى مقره كان أهل الكوفة قد طردوا سعيد ابن العاص وجعلوا أبو موسى الأشعري واليا عليهم، من جانب آخر وعلى أثر خروج عبد الله ابن أبي السرح والي مصر إلى المدينة لينضم إلى ولاة الأمصار الأخرى للاجتماع بالخليفة عثمان، كما أسلفت اجتمع قادة المعارضة في مصر عبدالرحمن ابن عديس، وسودان، وجبلة، وكنانة، وعمرو الليثي، وابن ملجم وخرجوا من مصر في قرابة خمسمائة رجل أو يزيدون بدعوى الذهاب إلى العمرة، في حين كانت وجهتهم المدينة، بعد أن أبقوا على محمد ابن أبي حذيفة وآخرين في الفسطاط تمهيدا للاستيلاء على بيت الجن قصر الوالي في غياب ابن أبي السرح (وقد تم لمحمد بن أبي حذيفة الاستيلاء على الحكم في مصر، وطرد ابن أبي السرح بعد عودته من المدينة لاحقا) في حين اتفقوا مع بعض أطراف المعارضة من البصرة والكوفة للالتقاء بهم في المدينة ، وعندما بلغ عثمان قرب وصول المعارضة القادمة من مصر إلى المدينة زار الإمام علي في بيته وسأله النصيحة في الأمر فأشار عليه الإمام علي ككل مرة: بعزل كل ولاة الأقاليم الأمويين وتعيين آخرين أكثر عدلا ونصحا وكفاءة وإعطاء كل ذي حق حقه، ولكن أرجو أن تطيعني هذه المرة فقال عثمان: (بل أطيعك هذه المرة وأخالفهم) وهكذا خرج الإمام علي برفقة محمد ابن مسلمة والتقوا ببعض أطراف المعارضة؛ عبد الرحمن ابن عديس وجماعته خارج المدينة عند قرية تدعى حجر الزيت وأخبروهم أن عثمان وافق على أن يخلع كل ولاته الذين ترفضون وان تختاروا انتم ولاتكم الذين تريدون، وأن يفتح للناس بابه، وأن يقتص لمن ظلم، ولكن أمهلوه ثلاثة أيام فسألوا علي: ومن يضمنه لنا فقال الإمام علي: (أنا).

بعد ثلاثة أيام لم يتغير أي شيء فزار الإمام علي عثمان في بيته بصحبة محمد ابن مسلمة، وسعد ابن أبي وقاص فسأله عثمان عن المصريين فقال: إنهم يشدون رواحلهم راجعين ولكن الآن جاء دورك (تخطب في الناس في الجامع وتخبرهم أنك تبت عن أهلك وقومك ونزلت على رغبة كل مظلوم ومشتك).

رد عثمان: سأفعلها يوم الجمعة، فقال له الإمام علي: بل الآن، وهكذا توجه الركب الخليفة عثمان، وعلي ابن أبي طالب، ومحمد ابن مسلمة، وسعد ابن أبي وقاص إلى المسجد.

ركب عثمان المنبر وقال: لقد سمعت رسول الله يقول: "من زل فليتب، ومن أخطا فليتب، ولا يتمادى في التهلكة، وأن من تمادى في الجور كان أبعد عن الطريق.

فأنا أول من اتعظ، أستغفر الله مما فعلت، وأتوب إليه فمثلي نزع وتاب.

فإذا نزلت فليأتيني أشرافكم فيروني رأيهم، وليأتني منكم ليطلب مطلبته، في الحال تغيرت أحوال الناس لا صوت إلا البكاء يجلجل المسجد وقد اختلطت الدموع بالهمهمات والصيحات.

كانت الجموع خارج المسجد تصلها التلخيصات؛ عثمان تاب، عثمان يوزع المال، عثمان يفتح باب داره، وبيت المال. ولكن، ما أن وصل عثمان إلى المنزل واسترجع قوته حتى دخل عليه مروان وبعد التحية قال: والله لو قلت مقالتك هذه وأنت في غلبة ممتنع لكنت أول من يوافقك الرأي ويسير في أمرك، أما وقد قلت ما قلته عن ضعف وتنازل فهو الابتزاز بعينه. فماذا كانت النتيجة؟ أهل المدينة استهجنونا والمصريين يتفاخرون بأنهم أجبرونا.

بعد هذا الحديث وبدون استئذان فتح مروان ابن الحكم الشباك على الجموع المحتشدة خارج منزل عثمان وقال بأعلى صوته : مالكم اجتمعتم كأنما جئتم لنهب، جئتم تريدون أن تنزعوا الملك من أيدينا وكأننا الضعفاء المأكولين، اخرجوا وابعدوا عن دار الخليفة والله إن استمريتم في شغبكم سنمر عليكم بسنابك الخيل وسنون الرماح. فانتفضت الجموع من رد مروان وصاحوا فلنذهب إلى علي ابن أبي طالب.

استعاد عثمان استقوائه بأهله وأقاربه مجددا وذهب للمسجد في حرسه وجماعته، وما أن وصل للمسجد وهمّ بأن يركب المنبر حتى طارت كلمات التحية من فوق لسانه إذ فاجأه صوت من الجموع: (أقم شرع الله يا عثمان) تبعة ثان: (أقم شرع الله يا عثمان) وثالث: (أقم شرع الله يا عثمان) وهو يرد عليهم الواحد تلو الآخر: اجلس اجلس اجلس ولكن جهجاه الغفاري أخذ يقفز فوق جموع الناس للوصول للمنبر وهو يقول: إنزل يا نعثل عن المنبر.

ردّ عثمان: لست نعثلا بل أنا عثمان الخليفة وقبل أن يكمل كلامه كان جهجاه قد وصل إلى عثمان وسحب عصاته (عصا النبي) من يديه وكسرها فوق فخذه فوقع عثمان مغشيا عليه فأخذه الحراس إلى المنزل.

فاجأته زوجته نائلة: لماذا لا تسمع كلام علي ابن أبي طالب بأن تخلع ولاتك؟ ولكنك متى أطعت مروان قتلك، فمروان ليس له عند الناس قدرا ولا هيبة ولا محبة، فتركت الناس وقد انفضوا عنك، وغضبوا عليك وأرى أن تزور عليا وتصالحه وتصلح أمورك مع الرعية.

هذه المرة زار عثمان بصحبة حرسه علي ابن أبي طالب في بيته وعلى غير العادة ليلا قال عثمان: أرايت ما حصل لي يا أبا الحسن؟، لقد أهانوني وشتموني ومنعوني من الصلاة وكسروا عصاتي. فقال له الإمام علي: ولكنك تأخذ برأي مروان وهو والله ليس بذي رأي لا في نفسه ولا في دينه، واعلم أن الذين نبذوك وسبّوك في المسجد ليسوا أهل مصر، بل أهل المدينة. فقال عثمان: وذلك أنكى وأمرّ.

ثم قال عثمان: ها أنا عائد إليك لأجدد الأمر وأطلب منك أن لا تقطع رحمي ولا تخذلني. قام علي من جلسته مشيحا بيده وهو يقول: ما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، فقد نكثت وعدك وغلبت على أمرك، ثم خرج من الغرفة وجلس في الغرفة الثانية.

اتكأ عثمان على الحسن وهو ينهض وسار نحو الباب بمساعدة خادميه وهو يقول: السلام عليكم يا أبا الحسن. رفع الامام علي رأسه ناحية عثمان وقال: وعليكم السلام يا ذا النورين.

بالعودة إلى المعارضة المصريين وفي طريق العودة لمصر التقوا برجل على جمل أثارهم أمره وعندما سألوه قال إنه ذاهب إلى مصر ثم قال إنه ذاهب إلى الشام فزاد اشتباههم به لأنه يركب أحد جمال عثمان وبعد أن فتشوه وجدوا بحوزته خطابا من الخليفة إلى والي مصر عبدالله ابن أبي السرح يطلب منه (التنكيل بالمعارضة وقطع أطرافهم حتى ينزفوا موتا، ثم صلبهم فوق جذوع النخيل) فعادوا أدراجهم إلى المدينة وبعثوا إلى المعارضة من البصرة والكوفة يستعجلونهم العودة إلى المدينة. وصل أعضاء المعارضة عبد الرحمن ابن عديس مع آخرين عمرو ابن الحمق إلى بيت عثمان بمعية الإمام علي والزبير وطلحة ومحمد ابن مسلمة وعندما واجهوا عثمان بالخطاب قال: إنه خطي ولكني لم أكتبه أو أمليه على أحد، والختم ختمي ولكني لم أختمه، والرجل صاحب الجمل رجلي ولكني لم أسيره، والجمل من جمالي ولكن أخذ بدون علمي، فزادوا إلحاحا عليه في عزل نفسه بدعوى أنه لا سيطرة له على الأمور في وجود إتباعه في كل مكان، واتهموه بأن هذا من فعل قريبه ووزيره مروان بن الحكم فهو الوحيد الذي يأتمنه عثمان على الختم. في هذا الوقت تكالب المصريون على عثمان وهم يقولون كيف لا علم لك بأمر جلل كهذا وأنت الخليفة ؟؟ والله لنخلعك. وآخر يقول: بل تخلع نفسك، حتى علت أصواتهم من شدة الغضب والتدافع نحوه لولا ابن عديس ومحمد ابن مسلمة، والمعارضون يرددون إن هذا من فعل صاحبك مروان فسلمه لنا والله مثلك ليس من يلي خلافة المسلمين والله لنخلعنك ولن تبقى في خلافة المسلمين بعد هذا في هذه اللحظة. رفع عثمان رأسه متحديا وقال : ( لن اخلع قميصا ألبسنيه الله) في الحال رأى الجميع الإمام علي يخرج دون أن يسلم، تبعه طلحة والزبير، ثم جذب محمد ابن مسلمة كتف أبن عديس ليخرج معهم، لقد هدم عثمان بهذه الجملة كل ذلك المجهود الجبار الذي قام به الإمام علي ومحمد ابن مسلمة في وساطتهما مع المصريين ومنع فتنة كبيرة في مدينة الرسول. كانت تلك الجملة القشة التي قصمت ظهر البعير.

وعندما يأس المحاصرون لمنزل عثمان لأكثر من أربعين يوما من استسلامه أو خلع نفسه، أضرم المعارضون النار في باب القصر وفي هذا الأثناء طرق محمد ابن أبي بكر الباب المجاور لباب قصر عثمان طرقتين، فتحت الجارية الباب باتفاق مسبق فدخل ابن أبي بكر وتسلق السور حتى وصل لغرفة عثمان وهمّ أن يقتله بعد أن رفع الخنجر في وجهه ولكنه تذكر صحبة والدة أبو بكر فرمى الخنجر وخرج. وصل بعدها كنانة ودار نزاع بينه وبين الخادمين نجيح وصبيح، انتهت بضرب أحدهما بعقب السيف على ظهره وإبعاد الآخر ثم رفع الخنجر من الأرض وطعن عثمان في العنق وخرج معلنا: قتلناه. بعد ذلك دخل جبلة، وبعده سودان إلى غرفة عثمان منفردين وانتهى الأمر بنهوض أحد الخادمين وهو نجيح الذي تحامل على نفسه وطعن سودان في الخصر انتهت بمصرعهما، وعندما قدم جبلة مرة أخرى فاجأه الخادم صبيح بعد أن أفاق من الخلف وطعنه وانتهى الأمر بموت الاثنين، ثم برز عمرو الليثي فقدم على عثمان القتيل من خنجر كنانة وطعنه عدة طعنات متتالية تشفيا وانتقاما ليس فيها من إصلاح أمر أو إقامة عدل، بينما فقدت زوجة عثمان نائلة بعضا من أصابعها في محاولة لمنع المهاجم سودان لزوجها ليُسدل الستار على واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الإسلامي، وفاتحة لحروب مريرة أكلت الأخضر واليابس في غياب أي منهج قضائي وقوانين عادلة تضع الجميع تحت طائلة القانون.


إلا أن القاريء غير المسلم سيخرج ببعض الاستنتاجات وهي أن الأسباب الحقيقية لمقتل عثمان ليس فقط التمادي في ضم كل أقاربه وإخوته وأنسابه ووضعهم ولاة على الأمصار، وبالتالي فكان من السهل أن يتلاعبوا باسمه ويحيكوا الدسائس من ورائه، وإنما سوء اختياره للولاة اذ كانت الولاية بالنسبة لبعضهم تشريف لا تكليف مما ألّبوا عليه قلوب الرعية مثل؛ الوليد بن عقبة، وخلفه سعيد ابن العاص ولاحقا عبدالله ابن أبي السرح وهو من المرتدين عن الإسلام والمجاهرين بالكفر وبنبوّة الرسول وقد نبهه الإمام علي إلى هذا الأمر مرارا عندما قال له: والله لا أخشى عليك إلا ممن تحب لا ممن تكره يا عثمان.

وقد كان بالإمكان إجراء بعض الإصلاحات إرضاء للناس والرعية والمعارضة على أشدها وفي إقبال بتقريب صحابة رسول الله ووضع بعضهم ولاة على الأمصار كالكوفة والبصرة ومصر، وبالمثل إيقاف الأعطيات من بيت المال في غير أوجهها الحقيقية.

أبان فترة الحصار كان مروان قد أبلغ عثمان أنه بعث ثلاث خطابات إلى معاوية ليرسل لهم المدد والقوة اللازمة لردع المحاصرين للمنزل، مع أن عثمان لم يطلب منه ذلك أما المحاصرين لمنزل الخليفة فقد انقسموا إلى أربع فئات؛

أما الفئة الأولى، فقد كانت تحاصر بيت الخليفة حتى يخلع نفسه ويترك الأمر للمسلمين لاختيار خلفية لهم، ويستسلم أو يخلعوه عنوة. الفئة الثانية، فقد كانت تناصر المعتصمين بإمدادهم سرا بالماء والزاد كطلحة وربما غيره، أما الزبير فقد كان يتردد عليهم دون أن يبدي أي رأي. أما الفئة الثالثة، فرغم عدم رضاها عن عثمان فقد نأت بنفسها كأم المؤمنين عائشة إذ شدت الركاب إلى الحج والأزمة في أوجها وعندما علمت بمقتله طالبت بالقصاص لقتلة الخليفة (وقد انضم إليها طلحة والزبير بعد أن بايعا الإمام علي بعد مقتل عثمان وعندما سئلوا عن السبب أجابا: لقد بايعنا عليا والسيوف فوق رقابنا !!) في حين لزم آخرون بيوتهم كالإمام علي بعد أن حاول الإمام أن يزور عثمان في منزلة فمنعه المحاصرون وأراقوا قربة الماء التي أحضرها لعثمان وأهله، وقد غادر المكان بعد أن قال بأعلى صوته : إنني بريء من هؤلاء القوم وما يفعلون. أما الفئة الرابعة فكانت تراقب الوضع عن بعد ، وكانوا يعلمون والحال تلك أن الأمور ستؤول إلى قتل الخليفة ومع ذلك لم يتقدم أحدا لنجدته ، وكان لديهم الوقت الكافي وهي أربعين يوما وذلك يضع الكثير من علامات الاستفهام.

وبقي أمر، وهو أن المال الوفير الذي دخل على الدولة الإسلامية من بلاد كسرى ومصر والشام وغيرها جعل الدولة الإسلامية غنيّة جدا حتى أن بعض الصحابة اغتنوا غناء فاحشا كالزبير وغيره، وهكذا تحوّل نهج المسلمين عرب البلاد العربية من القتال على الماء والكلأ قبل الإسلام إلى الخصومات وحروب الرحماء والتي انتهت بقتل الخليفة عثمان مرورا بحربي الجمل وصفين، ثم قتل الإمام علي وتبعها قتل الإمام الحسن (ع) مسموما، ثم مقتل الإمام الحسين (ع) في واقعة كربلاء، وانتهاء بقتل عبد الله ابن الزبير لتجسد عصرا جديدا وهو القتال على المال والنفوذ.

1 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email