الميثولوجيـا والهويـة في روايـة  ..المحيط الإنجليزي(1)


تصوير : صالح ناس

بعد غياب بين روايته الثالثة (السوافح .. ماء النعيم) الصادرة عام 2006، أصدر روايته الرابعة (المحيط الإنجليزي) في عام 2018، عن دار سؤال اللبنانية للنشر، ها هو فريد رمضان يكتب عملاً مختلفًا عما سبقه في الحجم الذي كان مهتمًا بأن تكون رواياته في دائرة النوفيلا (الرواية القصيرة)، ولكن لم يخرج في الوقت نفسه اعن مشروعه الذي احتطه منذ الرواية الأولى (التنور .. غيمة لباب البحرين) الصادرة في عام 1994، ولحقها برواية (البرزخ .. نجمة في سفر) عام 2000، أي بين الرواية الأولى والثانية والثالثة ست سنوات تقريبًا، الأولى: 1994 – الثانية: 2000 – الثالثة: 2006، أما بين الثالثة والرابعة فبون شاسع، أي من عام 2006 حتى 2018. أي البعد بينهما في حدود اثنتي عشرة سنة، وربما هذا البعد الزمني، أعطى الكاتب فسحة من الوقت والبحث والتقصي والسفر من أجل أن تكون هذه الرواية مختلفة في شكلها، وحجمها، وموضوعها الذي لا يخرج عن مشروع الهويات والأقليات والمهمشين، ولكن بمعالجة مختلفة تمامًا، وكاشفة لأبعاد أخرى في مجتمع المنطقة وحوادث وشخصيات تؤكد أن الروائي لم يحصر روايته أو على ما يبدو فهمه ووعيه تجاه الكتابة السردية بوصفها نصًا أدبيًا فقط، وإنما ذهب بعيدًا ليكون النص مشحونًا بالتاريخ والثقافة وعادات الشعوب، وسلوكيات الإنسان ونظرته للآخر عبر لونه ودينه ومعتقداته وموروثاته المختلفة.

بعد قراءة الراوية تقف حائرًا بأي منهج يمكنك الانطلاق لقراءة الرواية والكتابة عنها وحولها، وبخاصة أنها اهتمت بعدة أبعاد، هي: التاريخي والاجتماعي والميثولوجي والهويات، ولكن بعد تأمل تقف عند نقطة مهمة جدًا بأن كل ما طرح في الرواية لها علاق الجانب التاريخي الذي يحاول ربط ما طرح في الرواية وعلاقة ذلك بمجموعة من الأحداث التاريخية من جهة، وربطها بما نسجه الكاتب عبر متخيله من جهة أخرى، وعليه حاولت أن أجعل التاريخ دليلاً لعبور جسور هذه الرواية ومضامينها والموضوعات التي طرحتها، ولكن في الوقت ذاته أربط بين ما هو تاريخي بالتحليل والتفسير والتأويل في سياق آليات تلقي النصوص، وها هو (فولفغانغ آيزر) " يفهم الاتصال الأدبي على أنه نشاط مشترك بين القارئ والنص بحيث يؤثر أحدهما في الآخر في عملية تنظيم تلقائية "(1) من هنا تناولت الدراسة العتبات التي انطلق منها الكاتب لأحداث الرواية، وفصلت بين الشخصيات والأحداث لما لكل واحد منهما دور بارز لا يمكن تجاهله في خضم هذا العمل الإبداعي، بل أكدت في تناولي للأحداث دور المكان وأثره في بناء الحدث ونموه، كما تناولت الميثولوجيا التي طرحت في الرواية، وحالة الهجرة والهويات، ثم وقفت عند بناء الرواية وسرديتها في نطاق العلاقة بين بنية الرواية السردية وحضور الراوي من جهة والكاتب من جهة أخرى.

العتبــات


وقبل الدخول في أحداث الرواية علينا أن نقف عند العتبات الأولى للرواية لما لها علاقة مباشرة وغير مباشرة بالأحداث نفسها، والمتمثلة في العنوان والغلاف والإهداء والافتتاح، حيث راح الكتاب أنفسهم يضعون شروطـًا بينهم وبين دور النشر حول اختيار نوع الغلاف والألوان الذي يحتويها، وأي لوحة يمكن أن تتصدر الكتاب، وأي فنان يمكن التعاون معه، ولو عدنا إلى أعمال فريد رمضان سنجد فيها محاولات جادة لتكون منفردة في شكلها السردي وتقنياتها وموضوعها، ويسعى دائمًا لجعل تقنيات الكتابة ذات قيمة فنية، كما أنها في عمقها الموضوعاتي تتصف برواية النخب المثقفة، وليست رواية السوق أو رواية الرواج السريع، لذلك منذ الرواية الأولى اتخذ الروائي مسارًا في موضوع كتاباته الروائية، وهذا بحسب ما أعتقد عمل مهم أن يشرع الكاتب في البحث عن ثيمات رئيسة ينطلق منها نحو عالم الكتابة التي تتطلب قارئًا نموذجيًا، وهو ما خطه أيضًا الشاعر حسين السماهيجي حين كرّس جل تجربته الشعرية في عالم الصوفية والعالم المحيطة بها.

والعتبات التي نعنيها في هذه الدراسة، والخاصة برواية المحيط الإنجليزي، تلك العتبات الأولية التي يتم بها افتتاح النص ودعوة القارئ إليه بكل شغف وحب ورغبة المعرفة، وعادة يكون الكاتب واعيًا جدًا لاختيار العتبات ونوعها وأهميتها وعلاقتها بالنص، وتحديدًا العنوان والغلاف، وإن كان هناك بعض المقولات الافتتاحية، لما لها من أهمية فنية وجمالية وبلاغية ودلالية وعلاقة بالمتن نفسه سواء في تعاضدها معه أم في مخالفتها إياه، بمعنى آخر ما نعنيه هنا هي العتبات الخارجية والداخلية الأولى، وليس الهوامش أو الاقتباسات، كما أ العتبات هي علامات دلالية تسهم في إزالة الستار عن عالم النص بالنسبة إلى القارئ؛ لأنها تحمل بين طياتها علامات سيمائية تجعل القارئ يقوم بفعل إركولوجي أي الحفر في النص والبحث عن تلك الدلالات بين النص وعتباته إن كانت تاريخية أو ثقافية أو في طبيعة بناء الحكاية ونسيجها وهكذا، ولكن في الوقت نفسة فإن هذه العتبات لا يمكن حضورها منفردة، أو يكون لها الدور الفاعل والمهم تقنيًا وفنيًا إلا مع النص، فهو الذي فرض حضورها.

وكما كان للغلاف دوره كان للعنوان مكانته عند المؤلف، وعادة ما يكون الباب الموصد عند المؤلف حين يفكر في اختيـار العنوان، لأن الكاتب يفكر في مشروع الكتاب وتفاصيله من تقسيما بين أبواب أو فصول، ويترك العنوان فيما بعد، وخصوصـًا إذا كان الكتاب بعيدًا عن الدراسة الأكاديمية، فضلاً عن طبيعة الجملة سردية للعنوان الذي يبين مدى ارتباط المؤلف والكتاب والمهدى له، وهذا التباري في الاختيار والتأكيد عليه جعل المتلقي / الناقد يقرأ اللوحة والعنوان والإهداء قراءة نقدية تحليلية بوصفها العتبات الأولى التي ترشده إلى متن النص، قراءة وتأملاً ومقارنة وتحليلاً، والعنوان قد يعتبر حلقة الوصل بين القارئ والنص، وكأنها الرسالة ما تحمله من علامات هي التي تتوسط الاثنين، لذلك لا يمكن الاستغناء عن العنوان مهما كان الأمر، فلا يوجد عمل إبداعي من دون عنوان، بل حتى القصائد القديمة التي وصلت لنا دون عناوين لها كان قافيتها تشكل العنوان، فنقول: نونية ابن زيدون (أضحى التنائي بديلاً عن تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا)، سينية البحتري (صنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن جدا كل جبس)، رائية ابن عبدون (الدهر يُفجعُ بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور). مما يشكل العنوان المهمة الكبرى قبل الدخول في عالم النص، وكلما توغلنا داخل عالم النص والأحداث تنبري بعض علامات العنوان هنا أو هناك، لذلك " فالعنوان لافتة دلالية ذات طاقات مكتنزة، ومدخل أولى لابد منه لقراءة النص "(2).

مبنى شركة الهند الشرقية

ولأن العنوان ذو دلالات وعلامات رامزة للنص أو لجزء منه فإن دراسة العنوان تأتي وفق ما يتميز به من وظائف بصرية وجمالية وترويجية أو إغرائية ودلالية، لهذا يطرح الكاتب على نفسه الكثير من التساؤلات تجاه العنوان، مثل: هل العنوان مفتاح النص؟ هل مأخوذ من المادة النصية؟ هل جاء محض صدفة من المؤلف؟ ما نوع الدلالات التي يحملها العنوان؟ كيف تتم عملية تأويله؟ مما تتكون كلماته؟ أهو جملة اسمية أم فعلية ؟ أهو عنوان بارز على الصفحـة أم محفور فيها؟ من هنا تبرز أهميته من تلك الأسئلة التي يطرحها أو يستنبطها القارئ وربطها بأحداث النص، وفي الرواية جاء العنوان بحرفية فنية وجمالية، وبحيث لم تكن وظيفة العنوان (المحيط الإنجليزي) وصفية، وإنما حمل وظيفتين، هما: الوظيفة الإيحائية والإغرائية، أي من تلك التساؤلات التي يطرحها القارئ حول التسمية والكلمتين وما توحيان به، تلك التي تأخذه إلى حالة من الاستفزاز نحو قراءة النص لمعرفة الربط والوقوف على الدلالات، لذلك يأتي بــ ماذا يعني الكاتب بهذا العنوان؟ كلنا نعلم عبر دراستنا وقراءتنا التاريخية والجغرافية والثقافية أن بريطانيا هي الدولة التي لا تغيب عنها الشمس، إذ استطاعت بريطانيا أن يكون دورها يتعدى الجانب الاستعماري العسكري، إلى مقدرات هذه المنطقة وثرواتها المتعددة التي " شملت الأرض والشجر والحيوان والإنسان من زنجبار ومومباسا إلى مسقط وحضرموت، ومن مكران وغوادر إلى بومباي وغوا وساحل مالابار"(3)، ومن هذه المناطق وغيرها استطاعت بريطانيا السيطرة على التجارة بكل أنواعها، وما شركة الهند الشرقية إلا دليل على ذلك.

وبهذا كأن العنوان كناية عن ذلك الامتداد الذي استطاعت بريطانيا بسط نفوذها عليه، أي سيطرتها الاستعمارية والعسكرية آنذاك حتى باتت الدولة العظمى التي كانت تفرض وتقرر وتمنع وتحاسب كيفما رأت، ولكن في الوقت ذاته هل هذا العنوان يحمل بين فضائه حالة استنكارية التي جعلها حاليًا لا حول ولا قوة تجاه من هي صاحبة القرار والمصير الدوليين، وكأن يقول العنوان أين قوتك الآن ودورك في المجتمع الدولي ضمن سياق التسابق الحاصل، من هنا ينبغي قراءة العنوان بوصفه جسرًا بين المتلقي والنص، لما له من إنتاج دلالي كاشف عن بينة النص نفسه، أي أن العنوان له سيمائية تكشف عن " كونه يجسد أعلى اقتصاد لغوي ممكن ليفرض أعلى فعالية تلقٍ ممكنة، مما يدفع إلى استثمار منجزات التأويل "(4).

أما الغلاف: فإن طبيعة فريد رمضان، والذي كشفته أغلفة الأعمال السابقة، يميل كثيرًا بشكل إيجابي تجاه الفن التشكيلي البحريني بجميع اتجاهاته، لذلك يحرص على أن تكون الأغلفة أعماله الكتابية محتوية عملاً بحرينيًا، وهكذا جاء الغلاف بلوحة للفنان البحريني جمال اليوسف، وعليه نرى أهمية اللوحة التشكيليـة في العمل الإبداعي المكتوب؛ لأنها بنية مكونة من كليات خاصة وقواعد متمفصلة يمكن أن تخضع للتحليل والقراءة النقدية، ويمكن القول: إن اللوحة التي هي حفر من قبل الفنان، هل أعدها وعمل على تكوينها وفق اتفاق مع الكاتب، أم أنها لوحة كانت معدة مسبقًا، إذ يمكن للقارئ أن يقرأ ويحلل اللوحة وتفاصيلها منفصلة عن النص الروائي باعتبار اللوحة نصًا منفصلاً، ولكن لو حاولنا ربط تحليل اللوحة بالنص، سنجد دلالات متشابهات ومتقاربات بين النصين، وهنا يعني أن أية لوحة وما تحمله من شكل وألوان وقياسات فهي تقدم رؤية خاصة تجاه النص الذي وضعت من أجله، وهنا اللوحة تكشف لنا بلونها النحاسي المتسق مع لون الغلاف الأسود، بحيث تعطي القارئ مساحة من التأويل والتفسير والربط، وفي كل هذا فإن الاختيار صائب كثيرًا حيث تلك الأجساد الخانعة برؤوسها للأسفل تشكل حالة الانصياع وعدم القدر على إعلان الرفض تجاه ساداتها تلك الوجوه المزعة بين اللوحة، أم الوجوه الرافع إلى أعلى وكأنها طالبة الغوث والعون من قوى خارقة لديها القدرة على فك طلاسم العلاقة المتشابكة بين السيد والمسود، بين الغني والفقير، بين الطالب والمطلوب، كما أن اللوحة الكاشفة طبيعة هذه الأجساد.

وبدخولنا إلى عتبة الإهداء: فإننا كلما تصفحنا كتابًا أو عملاً إبداعيًا نجد عتبة الإهداء بارزة لنا تكشف عن مدى علاقة صاحب الكتاب بمن يهديه أو يهديهم العمل، فمن الطبيعي أن يكون الإهداء الذي يتمظهر في الصفحات الأولى من بدايـة الكتب المؤلفـة أو المترجمة على شكل فني مدون أما بخط اليـد أو بالحاسوب يعبر عن ذوق رفيع للكاتب ، وتقدير منه بحق الآخرين ، واحترامه لدور من له شأن عنده ، أياً كان هذا الشأن ، وهذا الإهداء سواء كان إلى أشخاص معينين أو مؤسسات أو جهات أو دول أو غير ذلك ، تبقى نية الكاتب مرهونة بالتقدير تجاه من يُهدى له العمل الإنتاجي ، بل قد يصل الأمر إلى نسق التوافق بين طبيعة الإهداء وما هو منتج والجهة التي يُهدى لها ، كما أن متن الكتاب قد يفرض إهداءً معيناً سواء أكان مرتبطاً بالحزن والألم أم بالفرح والغبطة أم بدلالات يراها الكاتب ذات علاقة بينها وبين مفردات الإهداء، " فالإهداء ظاهرة تجددت وأصبحت عملاً مألوفًا، تطور مع فن صناعة الكتاب، وما تبعه من إنتاج الكتب وازدهار دور النشر، وتطور في مفاهيم حقوق التأليف والطباعة، والإهداء عادة ما يعبر عن نوع من مخاطبة شخصية مهمة ومؤثرة، أو لتجسيد مشاعر الامتنان أو الصداقة "(5)، وها هو فريد يهدي روايته لأناس يستحقون ذلك، فهي عائلته الصغيرة، زوجته أمل وابنه محمود وابنته ريم، وهناك خيط رفيع بينه وبين كل واحد من هؤلاء الثلاثة، خيط لا يرى بالعين وكأنه مادة ملموسة، وإنما هي تلك العلاقة الحمية الدفينة القابعة في خلجات النفس والظاهرة في نظرات كلهم لبعضهم البعض، وهنا لا شك أن الكاتب يكشف عن وقوف العائلة بجانبه، كاشفًا عن ذاته تجاه تلك الذوات. حفظ الله عائلته يا أبا محمود، وجعل الفرح والساعدة والحب ديدنها.

كما أعطانا الكاتب فسحة قبل البدء بأحداث الرواية، وهي عتبة أطلق عليها الافتتاح، أي قبل بدء الغوص في عالم الرواية وأحداثها، استهل الكاتب هذا الافتتاح بآية من القرآن الكريم، سورة الكهف – آية 54، قال تعالى: " وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً " ونص من التوراة، من المزمار الأول – الآية 5 " ارتفعوا إلى النجوم، وقالوا إنهم لا يسقطون ". وعلى الرغم أن الروائي ضمن متن الرواية بعض الآيات من الإنجيل، فإننا كنا نطمح لو وضع من الإنجيل في الافتتاح، وكذلك بعض المقولات والحكم الإنسانية التي تؤكد ما ذهبت إليه الرواية لربما يكون أكثر تشويقًا واتساعًا في التطلع كما لاحظته على صفحات الرواية الأربعمئة والثماني والعشرين صفحة، ذلك التطلع الذي يكرس مشروعه المهم المتعلق بالهويات والتعايش بين الناس. أما فصول الرواية فقد ضمت بين دفتيها تسعة فصول، وهي: غضب البحر، اختفاء الدابة، كرم الرب، أعمر من حجلة، أيقونة الفراق، سدنة الريح، بيت البساسة، أرخبيل الخوف، فتنة زنجبار، وجاءت على نمطين في كل فصل، الأول مجموعة من الأقسام الرقمة حسابيًا، بعدها يأتي النمط الثاني يحمل عنوان (سيرة الكلمات) ويتوزع إلى مجموعة من العناوين الفرعية، أما حجم الفصول فتكاد تكون متقاربة جدًا وبالأخص الفصول الثلاثة الأولى حيث عدد صفحات كل فصل بين 43 و 36، والفصول من الرابع حتى التاسع، بين 45 و 56.


الشخصيات والأجيال


على مدار أحداث الرواية وصفحاتها تتكشف لنا أنها ضمت خمسة أجيال متداخلة في الزمان، ومتباعدة في المكان، وهي: الجيل الأول تمثل في والد عبدالله، وهو حمود التوانقي صاحب سفينة وربانها القوي العارف بأهوال البحر وطلاسمه، وهنا يأتي معه ابنه، ومن كانوا عمالاً على ظهر السفينة، ويأتي الجيل الثاني الذي مثله في مسقط عبدالله حمود التوانقي الذي حمل مسئولية العمل في البحر والتجارة، فهو الربان وصاحب أعلى رتبة وظيفية ومسئولية على ظهر السفينة، أي المسئول المسئولية الكاملة والمباشرة عن كافة العاملين على سطح السفينة الذين يمتثلون لأوامره وتوجيهاته، ومعه نزنجي الممباسي المعني بالعمل وتنفيذ طلبات الربان عبدالله، والحافظ على أمواله وتجارته، وجواخ ودوره في مراقبة البشر الذين يأخذونهم من أمكنتهم للبيع والمتاجرة (العبيد)، وإذا كان هؤلاء على ظهر السفينة، وهناك من الجيل نفسه على اليابسة، مثل: الأب الدكتور بيتر، وثابت بن جارم، وحارب وزوجته مزنة في مسقط، وفي بلوشستان، وتحديدًا في سقر رشيد حمدان، وعبدالله الأعمى، وعلى ظهر البارجة البريطانية القبطان بردلي جونسون قبطان (البارجة فيكتوريا)، والبروفيسور ماثيو المغرم بدراسة هجرة الطيور، والطبيب الخاص بالبارجة، وكذلك الطباخ الإنجليزي، وهنا لم يعط اسمًا لكل من الطبيب والطباخ؛ لأن دورهما ينتهي بانتهاء مهمة البارجة وهي تنتشل الجثث من سفينة عبدالله التوانقي.

البارجة فيكتوريا

وتوزع الجيل الثالث على تلك الفتيات والأولاد الذين تم شراءهم أو أخذهم عنوة من قبائل ضعيفة أو سرقة من شوارع قراهم في زنجبار، هؤلاء الأطفال والصبية الذين جاءوا بأسمائهم لا يعرفون من الدنيا غير حياتهم العفوية والبسيطة على أرض أفريقيا، هذه الأسماء التي غيرها الأب بيتر بعد فترة من وجودهم في مدرسة أولاد العبيد المحريين بمسقط، وعمّدهم ليكونوا على الدين المسيحي، وهم: مباندا (جيكوب) ثم تحول اسمه بعد إشهار إسلامه في مكة المكرمة إلى يعقوب بن إسحاق - أتور (إستيفان) - كنجي (ناثان) - مسالمي (مايك) الذي أخذ اسم سالم حين جاء إلى البحرين، والفتاتان، هما: موانتي (ماريا) - نوانتي (إيزبيل)، وهذا الجيل بدأ منذ صغر سنه حتى كبر وبات شابًا، وتفرق على الأمصار والدول، وفي أرض أخرى بعيدة عن مسقط برز على سطح الأحداث ومع تلاقي الأجيال، أي الجيل الأول، مثل رشيد حمدان، ومعه الجيل الثالث، وهم: زوجته زينب، وعبدالله الأعمى وزوجته حائرة، وآتور (استيفان) الذي تحول اسمه إلى عابدين، وشيخ قرية سقر الشيخ مجيد خان.

ومثل الجيل الرابع المختلط في قرية سقر ومنطقة مكران، مع الجيلين الثاني الذي مثله شير محمد قاطع الطرق وسارق الأطفال لبيعها، والنساء بعضهن للبيع والآخر كإماء له، والجيل الرابع تمثل في يوسف بن عبدالله الأعمى، ونظير خان ابن شيخ قرية سقر، وأبناء عائلة سليم إضافة إلى والد يوسف وزوجة رشيد حمدان، وتواصله مع جيلين الثاني والثالث في البحرين الذي مثله الدكتور صموئيل، والممرضتان شريفة الأمريكانية وروث، والتاجر عبدالعزيز بن يحيى ... والتاجر عبدالرحيم جمعة، وجوهوة وفرحان، ثم يدخل الجيل الخامس المتشابك مع الجيل الثاني، الذي مثله ثابت بن جارج، وماثيو ونزنجي، والجيل الثالث الذي مثلـه مايك (سالم)، ومايـا (موانتي) ونـوانتي (إيزايبل) والجيل الرابع المتمثل في يوسف بن عبدالله الأعمى وزوجته فاطمة، كل هذه الأجيال تعالقت مع الجيل الخامس المتمثل في أبناء يوسف بن عبدالله الأعمى، وهم: عبدالله، رشيد المتوفى، وضحى وحائرة وسعود في البحرين، وأبناء كل من ماثيو ونزنجي في زنجبار، وبرزت بين كل هذه الشخصيات التي تباينت في دورها وفعلها، ومكانتها، فمن الشخصيات التي لها أثر كبير في نمو الأحداث أو تغيير مسارها أو توقفها: رشيد حمدان – عبدالله التوانقي – عابدين – الأب بيتر – ثابت بن جارم – نزنجي، قمر الدين أخ لفاطمة، يوسف عبدالله الأعمى – شير محمد.

وقد تناولت الرواية بعض صفات الربان عبدالله بن حمد التوانقي: فهو رجل دحداح البنية (غليظ البينة وقصير) – ذو وجه دائري – مدخن النرجيلة – لا يجامل أحدًا على ظهر السفينة – له أنف مارن (أي مرن سهل التحريك) أما الصور الثلاث التي مرت على طالع التوانقي، وكانت ولاتزال عالقة في الذاكرة: فالصورة الأولى، زواجه من ابنة عمه (مريم) وهي في الخامسة عشرة من عمرها وهو في السادسة من عمره، وكيف جهز إلى هذا الحدث المفرح (الزواج). عادة موجودة في المنطقة وهي حين تتأخر الزوجة في الحمل، تؤخذ إلى (المراخة) " تمرخ جسدها بالكثير من الأدهان والطيب، وتخبرهم بأنها أعادت {بيت الضنا) "(6)، لكن لم تنجب مريم، فزوجه أبوه ابنة خالته (طيبة)، ولم تنجب أيضًا، مما اضطر الأب لتزويجه اثنتين مرة واحدة، ولكن لم يفلح في الانجاب، مما أمره أن يدخل معه البحر، وكانت تلك الليلة جاءت بخبر " مقتل سلطان عمان الأول في العام 1866 "(7).

ثويني بن سعيد بن سلطان البوسعيدي سلطان عُمان

أما الصورة الثانية، حين ركب البحر في رحلته الأولى على ظهر سفينة والده حمود التوانقي، المسماة (القابلة)، من مسقط إلى زنجبار، وكيف عاش طوال الرحلة والتعب والإرهاق ومحاولته التعلم من جواخ فنون الكتابة والقراءة والبضائع وأنواعها، وتعامل أبيه كما يتعامل مع الآخرين من البحارة، " لم يميزه حمود عنهم، بل تعامل معه مثل عامل أجير يبحث عن لقمته "(8)، والرحلة الثانية من مطرح إلى الهند، ولكن صراع السفينة مع الأمواج العاتية والعالية فقدت سيطرتها وسيطرة البحارة والربان عليها، " وقاومت (القابلة) مثل فرس ذبيح مقاومة لم تمنع من تفكك ضلوعها، وانبلاج مساميرها، وخسارة بحارتها في اللجة "(9)، وتأتي الصورة الثالثة، وهي أمنيته في الإنجاب، فبعد أن أصبح ربانًا وله السطوة والكلمة، تزوج الكثير وملك الإماء، وعلى الرغم من ذلك لم يستطع الإنجاب، وكأن جنيًا تلبسه، " فلم تنجح أي منهن في طرد الجن من رأسه أو بين بيضتيه، وهو ينتظر ابنًا يطلق عليه اسم حمود "(10). وهذه الصورة التي كلما مرت عليه تعذب وتألم. أخر خبر عن حياة عبدالله حمود التوانقي حين أخذه جواخ إلى الشاطئ وركب قاربًا صغيرًا بمفرده وسار به إلى وسط البحر حتى بدا القارب نقطة صغيرة ترى بالعين المجردة، " جدف عبدالله بنفسه مبتعدًا عن الشاطئ .. غاب القارب في البحر. وغدا نقطة صغيرة لم ينتبه لها أحد بالمرة، كان هذا آخر خبر عنه "(11).

وتبرز شخصية البروفيسور ماثيو والتفكير المسيطر عليه، الكامن في رغبته الملحة للعمل على ظهر السفن التجارية لشركة الهند الشرقية، ولكن الوصول إلى هذا الحلم وتحقيقه لم يكن سهلاً وعاديًا، فهناك من فكره مثله، وقبل الوصول إلى سفن شركة الهند الشرقية، ذهب ليعمل مع العمل في شف الأنفاق، " جئت مثلك من ليفربول، وعملت في نفق محطة قطار مترولويتان، أدخل وأحمل المحفار، وأشق النفق مع المئات من العمال السود والبيض والهنود " )). كما تشير الرواية في هذا الجزء بتلك الحالة النفسية والاجتماعية والتاريخية التي عاشها ويعيشها الرجل العجوز الذي أنهكته الحياة، وأتعبه العمل على ظهر السفن، وتنقله عبر البحار والمحيطات بعد ما أخذته امرأة شقراء ترى في عيون الرجال شبقهم لجسدها، " حملتني امرأة من هنا، الفتاة الشقراء النائمة على الكرسي القريب منك تدرك عطشك لجسدها "(12)، ليعود مرة أخرى لكرسيّه في الحانة الذي فارقه، محتسيًا مشروبه الكحولي، وهذا ما سيكون حال ماثيو أيضًا.

والد نزنجي الهدوسي ذهب إلى الساحل الأفريقي بغية التجارة والثروة من بيع وشراء التوابل والذهب والعاج، ولكي تعيد حياته الطبيعية بعد ما فقده حين لفظت مياه المحيط السفينة التجارية التي يعمل عليها، نصح بالزواج من فتاة أفريقية، وبالفعل تزوج من نظيرة المسلمة، وهنا يضعنا الكاتب أمام مسألة مهمة جدًا وهو زواج المسلمة من غير المسلم. وقد اشتهر نزنجي حينما قتل الحية وأخرج أخاه من جوف الحية التي ابتلعت أخاه، وهذه الشهرة التي وصلت إلى زنجبار جعلته عاملا في السفينة، " وقف أمام الربان عبدالله التوانقي، وجواخ الذي همس في إذن سيده: هذا الشاب صلب، وسيكون بحارًا تتكئ على أضلعه أنت وسفينتك "(13).

وبرزت شخصية يوسف بن عبدالله الأعمى، صاحب الثماني عشرة عامًا الذي شارك في تغسيل وتطيب وتكفين عابدين، أما أبوه فقد أخذه إلى مكان بعيد بين الجبال والحجارة الصلدة الصلبة، وعندما وقعت عينا عبدالله على تلك الأعشاب وأنواعها، قال الأب مثمنًا دور عابدين وعلاجه للأمراض من خلال الأعشاب، " هذا الرجل لم يكن ساحرًا مثلما يقول عنه أهالي القرية، هذا عطار لديه علم واسع في فوائد ومنافع الأعشاب "(14). أما عابدين فقد عمل عند رشيد حمدان خادمًا وبعد وفاة الأخير بات البيت له، عابدين هذا الرجل الذي ظل غريبًا عند أهالي القرية لعدم معرفة أصله وعائلته، ولكن ما قيل عنه في بداية الرواية بأنه ليس عابدين، وإنما هو إستيفان، وله صديق آخر اسمه مايك، وهما مسيحيان، تزوج إستيفان من امرأة هندية، وأنجب منها فتاة، ولكن الزوجة طلبت الطلاق بسبب خيانته لها على فراشها، وكان الاثنان في مسقط، لكن مايك سافر إلى البحرين وطاب له المقام والاستقرار فيها مع بداية القرن العشرين، إلا أنه عانى الكثير من طريقة العيش والسكن والتعامل من قبل السيد عبدالعزيز بن يحيى، وكذلك علاقته بفاطمة الصامتة، وجوهرة، الحبشية القادم من السعودية بعد ما رمت الظروف القاسية، وأوصلها القدر إلى السعودية، ثم إلى البحرين، حيث اشتراها تاجر من قرية بعيدة، وها هي الآن مع السيد عبدالعزيز بن يحي الرمي، إنها تتصف بصفات جسدية تثير الرغبات الشهوانية والجنسية، والسلوكية ومعرفتها بالناس، وحارة الفاضل، والحارات القريبة منها، ومع حلول عام 1925عمل يوسف في " وظيفة مخلص جمركي لصالح تجارة عبدالعزيز النشطة بين البحرين والكويت قبل أن تتمدد وتتوسع إلى قريتي الخبر والقطيف .."(15)، وذلك بعد أن تعلم الكتابة العربية وبعض المفردات الإنجليزية، وحين رغب في السفر إلى موطنه سقر، حملت فاطمة للمرة الثالثة، وجوهرة للمرة الثانية، لكن فاطمة هربت من البيت ولم ير لها وجود، مما جعله يوصل الأمر إلى سيده، والأخير طلب منه أن يكون مع جوهرة حتى يتم العثور على فاطمة.

ويبقى عابدين الشخصية التي كانت تثار حولها الأسئلة طوال أحداث الرواية، هذه الشخصية التي أخذت أكثر من اسم، فهي آتور حينما أخذ من أفريقيا، ثم إستيفان بعد ما غير الأب بيتر اسمه وهو في مدرسة العبيد المحررين، لينتقل بعد ما أصبح شابًا للعمل طوال ثماني سنوات مع شركة الهند الشرقية يتفحص القادمين من الدول العربية والأوروبية، ثم يتجه إلى قرية سقر بمنطقة مكران ومعه الصندوق، ويلتقي برشيد حمدان فيغير الأخير اسمه ليكون عابدين، حيث تغير اسمه طوال هذه المسيرة ولكن لم يتغير دينه، ولم يتحول إلى الدين الإسلامي كما حدث لبعض رفاقه في المدرسة، ومنذ اللقاء الأول تحول اسمه " وقف أمامه وقال له : أستجير بك يا مولانا، عاينه هذا الشيخ العائد منذ أشهر قليلة بعد سنوات من مجاورة بيت الله الحرام في مكة، ورد عليه: إنها والله مسئولية كبيرة لن أستطيع حملها يا عابدين، ولكن اسمي إستيفان يا مولانا. أنت عابدين من اليوم "(16).


الروائي فريد رمضان أثناء زيارته للسنغال بغاية جمع المعلومات الخاصة بسياقات رواية المحيط الإنجليزي، ويظهر في الصورة بمعية طالبتين من الجامعة السنغالية ممن تطوعن لمساعدته في البحث و التقصي.


وجاءت أحداث الرواية بعدد من الشخصيات التي كانت في منطقة مكران أو سقر، مثل: شخصية شير محمد، والحديث عن جده الذي أخذ منه مهنة السطو وقطع الطرق والسرقة وغيرها، وهو شير جلال، وتعني شير (الأسد) تلك الصفة التي تعني القوة والشجاعة والإقدام. وقصة شير جلال تتمثل في قوته وسطوته وقدرته على إذلال المغول حين اختطف فتاة منهم، وبات مطلوبًا للإنجليز لدوره في تجارة العبيد وغيرها التي لا ترتضيها الإنجليز أنفسهم، وعليه ظل متخفيًا وينتقل من قصر إلى قصر من دون استطاعة الإنجليز القبض عليه إلا بعد شهرين من ذلك المزاد التي باع فيه الفتاة المغولية، وحكم عليه بالإعدام، قمر الدين الشاب الذي لم يستطع شير محمد تمييزه كونه فتاة أم شابًا، بحكم تكوين جسده الرخو المتمايل، وصوته الناعم، لكن هذه الصفات سببت له المزيد من المشاكل، فبعد ما عرف شير محمد بجنسه أخذه ليكون خاصًا به وله، يعاشره كما يعاشر زوجاته، أي كأنه زوجة أو أمة خاصة به، غير أن حاوره مع جلنار وهما على ظهر السفينة أثار شهوة ابن شير محمد (أصغر نجيب)، الذي دخل عليهما وأخذ قمر الدين ليغتصبه جنسيًا ثم يقتله، وهذا ما جعل شير محمد يطلق الرصاص على ابنه، " تقدم ببطء نحو ابنه أصغر نجيب ووجه فوهة البندقية إلى جبهته، والابن منحن يردد كلمات الاعتذار، ويطلب الصفح والغفران، إلا أن الرصاصة دوت في الأجواء، وبعثرت فروة رأس الشاب ونثرت دمه على مساحة كبيرة من سطح السفينة "(17)، لكن هذه الحالة جعلته يفقد أعصابه ويزيد من غضبه وتشنجه الفوضوي، ونتج عن ذلك حرق السفينة، فنجا بعضهم ومات الآخر، بعد ما " ظل معتكفًا في مخدعه ينحب أحيانًا ،يصمت أحيانًا، يبكي حبيبه قمر الدين وابنه أصغر نجيب، ويلعن الشر الذي يسكن بين أفخاذ النساء والرجال، مفسرًا ذلك باقتصاص رب العالمين منه "(18).

أما سردار هذا الشاب الذي عركته الحياة وأتعبته منذ زواجه الذي لم يستمر طويلا حيث مرض الزوجة ومحاولات علاجها عند بعض رجال الدين، ولكن بات بالفشل فماتت الزوجة وثقل عليه الدين التي قدمت فاتورته خالته، فذهب للعمل في قطع الملح ونقله وبيعه، كما عرف في سير عمله شبابًا آخرين يقومون بالعمل نفسه، " وهناك وقف مع شباب يملكون بغالاً ينقلون الملح الحجري بعد تكسيره إلى سفن تجارية تنقل كل شيء إلى الضفة الأخرى من بحر العرب: الخشخاش، والمورفين، والنساء الراقصات، والنساء العاهرات، والنساء المؤمنات، والمحاربين، والمخنثين، والغلمان، والصبيان، والعبيد "(19)، جعلته الأحداث يسهم في تقريب يوسف إلى عائلة زينب وإخوتها، إذ يفترق عنهم بعد ما بيع في مسقط، ويذهب إلى عالم آخر، ويبقى يوسف في عالم ثان.


مستوطنة تضم مجموعة من القلاع التي يتم فيها تخزين العبيد لتصديرهم لمختلف أنحاء العالم في جزيرة غوري ( السنغال ) - من مشاهدات الروائي فريد رمضان 2007.



ولم تنس الرواية الحديث عن الأب بيتر زويمر الذي هو في الأصل شخصية حقيقة ذكرتها المصادر التاريخية، مثل: كتاب التبشير في منطقة الخليج العربي للدكتور عبدالمالك التميمي، ولكن الرواية حاولت الربط بين ما هو في الواقع آنذاك والبناء الروائي والمتخيل عند الكاتب، إذ بين الرواية أو الأب من أصول هولندية، وحاول التقصي في هولندا لمدة ثلاثة أشهر لمعرفة عائلته وأصولها، وهجرة والده إلى أمريكا، ثم بعد ذلك ذهب إلى بيروت، ومنها إلى البصرة، واستقر أخيرًا في مسقط، أما صموئيل زويمر فقد عمل بعد رحلة طويلة في أكثر من بلد عربي، ودور التبشيري، ليستقر في الإرسالية الأمريكية بالبحرين.

أما شخصية مايك ذي البشرة السوداء الذي رحل من البحرين، فله قصة طويلة ومتشعبة ولكن إصراه على مواجهة كل التحديات استطاع أخيرًا أن يكون في البحرين مستقرًا مهنيًا واجتماعيًا وعائليًا، إذ بدأت قصته حين جاء إلى البحرين والتقي صموئيل، وثم العمل في المكتبة لبيع الأناجيل، وتعرف على الممرضة (روث) وبدأت اللقاءات بينهما حتى عرفت زوجة صموئيل بهذه العلاقة التي أباحت روث لها، وبهذا طرد من العمل ومنع من دخول الكنسية، ومع الوقت حاول صديقه فرحان أن يقربه إلى الشيخ في المحرق الذي استعان به في قراءة الرسائل بلغة أجنبية وترجمتها، والوسيط في المحادثة والحوار، لكن الاعتمادية البريطانية لم تهمل الموضوع بل رحلت ورث إلى بيرت، ورحل مايك إلى مسقط. وفي عام 1926 علم يوسف أن (مايك) عاد إلى البحرين ويعمل عند الشيخ في المحرق، وفي هذه اسنة عمت إشاعة تقول أن هناك من قام بقتل المعتمد البريطاني في القلعة، وعليه راح الجنود الهنود والبلوش ورجال البوليس بملاحقة البحرينيين وقد هرب منهم إلى جزيرة المحرق، وتكشف الرواية بين أحداثها تفرق الجميع إلى مناطق عدة، فذهب نزنجي وماريا، وماثيو وإيزبيل إلى زنجبار، وجكوب إلى مكة، وإستيفان (عابدين) إلى بومباي للعمل على سفن شركة الهند الشرقية ثم إلى سقر. ومايك إلى البحرين.

لم يعد يفكر الروائي في رسم شخصياته إن كانت وفق السياق التقليدي المعني بمعرف الشخصية وحضورها وبيان صفاتها، أو وفق السياق الحديث الذي ربما يذهب إلى ضبابية وضوح الصفات أو العلامات، وذلك لأن الكاتب اهتم في بالدرجة الأولى في كيفية بناء الشخصيات الرئيسة والثانوية ضمن المنظور التاريخي لحركة المجتمع في نهاية القرن التاسع عشر وحتى مشارف منتصف القرن العشرين تقريبًا، من هنا نرى أن الروائي أعطى كل شخصية حقها في تكوينها الجسدي والعضلي الذي تمثل في بعض الرجال الذين أخذوا من أفريقيا، وكذلك نزنجي مساعد النوخذة عبدالله التوانقي، والبعد النفسي الذي برز في كل الشخصيات تقريبًا وإن كان بدرجات متفاوتة، وكذلك التكوين الاجتماعي، كل هذا بحسب الدور المنوط بهذه الشخصية أو غيرها، وأعتقد نجح في توزيع الأدوار السردية والوصفية والحوارية عليها في سياق الأحداث ونموها، وبحكم تواجد هذه الشخصية أو تلك في المكان المعد للحدث نفسه، بل ركز على البعد الثقافي والتعليمي لبعض الشخصيات، مثل: الطبيب بيتر في مسقط، أو الطبيب صوئيل في البحرين وهما اللذان يعملان على التبشير، والسيد رشيد حمدان، وكذلك الدكتور ماثيو المهتم بالتصوير وعالم الطيور.

كما كان بناء الشخصيات جاء وفق الدور، إذ هناك شخصيات ليس لها دور مركزي، ولكنها تسهم في بلورة الحدث، وفتح أفق التحول أو النمو، مثل زوجة يوسف بن عبدالله الأعمى (فاطمة) التي ذهبت معه لتكون زوجته، لكن الأحداث كشفت إصرارها على عدم الكلام أو الحدث أو الرفض أو الدخول في مناكفات مع النساء الأخريات، غير أن وجودها في خضم الأحداث أسهم في تحول بعضها أو توجه مسارها، وهناك شخصيات كان تغييرها حدث مهمًا في مسيرة الحدث نفسه كما هو عند عبدالله الأعمى، وكذلك استفيان (عابدين)، وحضور يوسف بن عبدالله في البحرين وغيرها، ولكن هذا لم يمنع من وجود العلاقات النفسية والعاطفية بين شخصيات الرواية التي تمثلت في الحب من جهة، والكره من جهة أخرى، والمدارات من جهة ثالثة.


-------

1- عبدالله إبراهيم، التلقي والسياقات الثقافية، ص8.

2- بسام قطوس، سيمياء العنوان، ص32.

3- فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص31.

4- بسام قطوس، سيمياء العنوان، ص36.

5- شاكر نوري (روائي عراقي)، إهداءات الكتب فن يعكس تمايز ملكات الكتاب، جريدة البيان الإماراتية، دبي، 2012/11/25.

6 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص214.

7- فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص215.

8 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص215.

9 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص216.

10 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص216.

11- فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص217.

12 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص35.

13 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص35.

14 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص42.

15 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص47.

16 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص257.

17 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص73.

18 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص165.

19 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص227.

20 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص160.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email