هكذا تحدث زرادشت: الإنسان النيتشوي الأعلى



((تجاوز الأخلاق لذاتها من منطلق الصدق، وتجاوز الأخلاقي لذاته ليحلّ في نقيضه- فيَّ أنا - ذلك هو ما يعنيه اسم زرادشت على لساني))


((حيثما تكون هنالك حياة فقط، تكون هناك أيضاً إرادة؛ لكن ليست إرادة الحياة، بل - وهذا ما أعلمك إياه - إرادة القوة!))

نيتشه


يوصف كتاب (هكذا تحدث زرادشت)، ربما إلى جانب (جينالوجيا الأخلاق)، بأنه قطب رحى مؤلفات الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (١٨٤٤ - ١٩٠٠) الذي مازال لفلسفته عن إرادة القوة تأثيرها العميق في مجرى نهر الفلسفة الغربية الحديثة، إذ يعدّ الأب الروحي لفكر ما بعد الحداثة وفلسفة التفكيك. وقد استلهمت تيارات فكرية وسياسية آراءه في نقض العقلانية المهيمنة لتقذف بالعقل الحديث في أمواج الرومانسية، والعدمية، والوجودية.


دوّن نيتشه فصول كتابه هذا بين العامين (١٨٨٣ - ١٨٨٥)، في فترة هدأت خلالها سطوة الآلام التي نهشت جسده وعقله حتى أفضت به إلى فقدان قواه العقلية في نهاية المطاف (١٨٨٩)، لذلك يمكن القول إنه كتاب ولد على حافة عبقرية الجنون، ويعتبره كثيرون أهم كتبه على الإطلاق، وإنجيل أفكاره، بل يذهب معرّبه (الأول) الأديب اللبناني فليكس فارس إلى أنه أهم كتاب شهده تاريخ الفلسفة الألمانية من حيث عمقه وصفائه وأسلوبه الأدبي الذي يناغي أوتار الروح ويترك فيها أثراً يتصادى مع الأثر الوجداني لأغاني زرادشت وألواح الخلق في التوراة والكتب المقدسة لديانات بابل والشرق.


في هذا الكتاب، يتحدث نيتشه على لسان الحكيم زرادشت، الذي عاش قبل حوالي ١٠٠٠ سنة قبل الميلاد، ولكن في مطاوي حديثه لا نرى تعاليم زرادشت التي هي أقرب إلى روح الأديان التوحيدية، وإنما تنبسط جوهر آراء نيتشه نفسه وأفكاره التي تجد في كلمات زرادشت عن صراع النظام القيمي نافذة للتعبير عنها بلغة أدبية تتكئ على ثنائية السرد والغنائية، وذلك عبر تتابع أربع فصول من حياة زرادشت وتحولاته التي تمثل تعاقب تاريخ العقل والوجود الإنساني من وجهة نظر نيتشه، وفي نهايتها يقرر زرادشت النيتشوي اعتزال الناس ليعيش مع نسره وأفعوانه في قمة جبل بعد أن هبط من كهف انتظاره ليبث أفكاره التي تبشر بموت الإله والعقل الميتافيزيقي وتلاشي الفلسفة الأفلاطونية وأخلاق الرحمة المسيحية استعداداً لولادة الإنسان الأعلى (السوبرمان) الذي يمثل جوهر فلسفة نيتشه بما تهجس به سماته النفسية والجسدية المتفوقة ونزعته الأخلاقية الفردانية.


((هنالك وهم قديم اسمه الخير والشر. وحول العرّافين والمنجمين ظل يدور دولاب هذا الوهم إلى حد الآن))


وهو إنسان لم يولد بعد، لكنه ينفتح على المستقبل الممكن الذي يكمن في أصلاب البشرية في انتظار لحظة انبثاقه التاريخي الجارف كنتيجة طبيعية لتطور العقل البشري، وقدرته على تجاوز ذاته، هذا العقل الذي جسّد نيتشه تعاقباته في صورة (جَمل) ينوء بأثقال غيره من معقدات وأفكار، ثمّ تحول إلى (أسد) يفترس ما أمامه أو (تنين) جبار يلقف ما يأفكون، قبل أن يتخلق من جديد (طفلاً) وديعاً يستعيد براءته الأولى وذاته المفقودة ليصوغ كينونته الإنسانية الصافية على مثاله البشري الخالص. ولربما أغرى هذا التسلسل التطوري بعض الباحثين للربط بين أفكار نيتشة والنظرية الارتقائية في أصل الأنواع لتشارلز داروين (١٨٠٩ - ١٨٨٢).


((كما الريح العاتية، نريد أن نحيا فوقهم، جيراناً للصقور، جيراناً للثلج: كذا تحيا الرياح العاتية))


إنسان نيتشه المتفوق هو كائن راقٍ، ذكي، مفارق، منعزل (متوحد)، شجاع، متمرد على (أخلاق العبيد)، متحلياً ب (أخلاق السادة)، ومحارب روماني عتيد يحتفي باستئساد القوة الباطشة، وينتعش بفورة الجسد وانعتاق الغرائز من عقالها، وتتحطم على يديه كل أشكال المركزيات العقلانية التي طالما قد هيمنت على العقل البشري وكبلته منذ انبثاق فجر فلسفة الإغريق بلوغاً إلى عقلانية إيمانويل كانط (١٧٢٤ - ١٨٠٤) ومثالية هيجل (١٧٧٠ - ١٨٣١).


((ابصق على هذه المدينة الكبيرة وانصرف عنها))


ومع النزعة الفردية الجارفة التي تصطبغ بها آراؤه، لا تجد المساواة بين البشر بالمنظور الديني، ولا حتى بالمفهوم الاشتراكي، مكاناً لها في فلسفة نيتشه، وهذا ما حاولت استثماره النزعات اليمينية العنصرية التي ادعت انتسابها إلى فكر نيتشه، في إساءة فهم بالغةٍ لأفكاره كما يرى البعض.


ولذلك، يعلق كثيرون على هذا المحارب الروماني قوي الروح والتفكير والشكيمة، الذي بعثه نيتشه في العقل الإنساني، مسوؤلية بروز أيديولوجيا القوة الفتاكة لدى النازيين والفاشيين، والتي قادت البشرية إلى مآسي الحرب الكونية الثانية. وذلك ما أطلق عليه المعرّب (الثالث) التونسي علي مصباح وصف (محنة الاستعمال والتأويل الشنيع) لأفكاره لأغراض أيديولوجية وسياسية.


يبقى القول إن الترجمة الأولى للكتاب التي أنجزها الأديب اللبناني فليكس فارس عام ١٩٣٨م جاءت بلغة أدبية كلاسيكية رصينة وعالية، لكنها لا تبلغ بالطبع، في عمقها وتجلياتها، روح الكتاب الأصلي كما يعتقد كثيرون (وهل الترجمة إلا خيانة؟)، وقد أردف بها نصاً هامشياً موازياً يفنّد فيه على بعض آراء نيتشه الحادة، وهو ما استدعى سجالات من آخرين، وليته لم يفعل.


وقد ظلت الحاجة قائمة إلى ترجمة جديدة تعبر عن الحساسية اللغوية الفائقة لفلسفة نيتشة بما فيها من كثافة شعرية للغة الألمانية، ومحاكاة مقصودة للغة الأناجيل التي أضفت على النصّ مسحة صوفية شرقية. ولذلك ظهرت سنة (٢٠٠٦م) الترجمة الثانية للمغربي محمد التاجي لتحاول إبراز المضمون العميق للنص النيتشوي، لكن محاولته لم تشفع له كثيراً من وجهة نظر المعرّب الثالث التونسي علي مصباح (٢٠٠٧م) الذي ربما تكون ترجمته الأكثر سلاسة من ناحية الأسلوب مع هوامش مضيئة وشارحة.


((هناك دوماً شيء ما من الجنون في الحب، لكن هناك دوماً شيء من العقل في الجنون أيضاً)) نيتشه

1 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email