الشعر / المطلق (1)



انتبه محمد بنيس إلى اللحظة الفارقة التي تمثلها الرومنسية الأوروبية في تشكيل المتخيل الشعري لتيار واسع داخل حركة الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، فأصبحت القضية الرومنسية من بين القضايا الثقافية الكبرى التي شغلت أعلام التجديد الشعري على الأقل منذ مطلع القرن العشرين، حين احتدمت المعارك النقدية بين مدرسة الإحياء والبعث (البارودي وشوقي) من جهة، وبين جماعة الديوان (العقاد والمازني) والرابطة القلمية أو شعراء المهجر والسائرون في ركبهم (جبران وأمين الريحاني ومي زيادة) وجماعة أبولو (أبو شادي وإبراهيم ناجي وإلى حد ما أبو القاسم الشابّي) من جهة أخرى، ثم اختصام هؤلاء جميعاً على تعريف الشعر واختلافهم حول تحديد غاياته الحضارية.

الأهم هو ما يضيفه بنيس من أن البصمة الرومنسية التي تركت الأثر الأكبر على الشعرية العربية لم تكن حساسية فيكتور هوغو الثورية، بل كانت تحديداً تلك الرومنسية العاطفية المتجسّدة في بكائيات ألفونس دو لامرتين، الذي يكتب في قصيدة "البحيرة" – ولعلها النموذج الأشهر لمذهبه الشعري – التي نظمها إثر وفاة حبيبة له كان قد أنقذها من الانتحار في بحيرة بورجيه (ترجمة نقولا فياض مطلع القرن العشرين):

فيا بحيرة أيّام الصِبا أبداً

تبقين بالدهر والأيامُ تزرينا

تذكارَ عهد التصابي فاحفظيه لنا

ففيكِ عهدُ التصابي باتَ مدفونا

[...]

وكلّما صافحتْكِ الريحُ في سَحَرٍ

أو حرّكتْ قصباتٌ عِطفَها لِينا

أو فاحَ في الرَوضِ عِطرٌ فليَكُن لكِ ذا

صوتاً يردِّدُ عنّا ما جرى فينا

أحَبّها وأحَبّتهُ وما سَلِما

من الرَدى رحم الله المحبينا


نلتمس مما تقدَّم كيف يعتني هذا الضرب من الرومنسية فوق كل اعتبار بالصدق الوجداني وتناغم العاطفة مع الطبيعة، فتصبح هذه انعكاساً لدواخل الشاعر وتصبح دواخل الشاعر بدورها مرآة لتلك، وعلى مثل هذا المحك تتحول "الطبيعة" إلى ملاذ للأرواح المغتربة التي يضج بها وجدان الشاعر العربي في عالم متحول لم يعهده من قبل لا ولم يعهده أي من أسلافه. فانظر إلى خليل مطران وهو يتماهى وجودياً مع "المساء" في ختام قصيدته الشهيرة، حتى لكأنه يشهد المساء في شخصه الماثل في المرآة:

والدمعُ من جفني يسيل مُشَعشَعاً

بسنى الشعاع الغارِب المترائي

والشمسُ في شَفقٍ يَسيلُ نَضارُه

فوق العقيقِ على ذرىً سوداءِ

مرّت خلال غمامتين تَحَدُّراً

وتقطّرَت كالدمعةِ الحمراءِ

فكأنّ آخر دمعةٍ للكون قد

مُزجَتْ بآخِرِ أدمُعي لرِثائي

وكأنني آنَستُ يومي زائلاً

فرأيتُ في المرآةِ كيف مَسائي

  • محمد بنيس، الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاتها، الجزء الثاني: الرومانسية العربية (الرباط: دار توبقال، 1990).

لكن قبل الرومنسية الفرنسية، كان ثمة الرومنسية الألمانية الأولى، وهي التي شق بنيس الدرب للبحث في تأصيل دلالتها في الشعرية العربية. ولا شك أن هذا التأثير يجب أن يكون موضع سبر معمّق، فهو تأثير موارب بقدر ما هو نافذ، وربما كان ذلك ما يجعل من "الرومنسية الأولى" الشريان الأكثر ترسّخاً في مفاصل الحداثة الشعرية العربية المعاصرة. ولعل فؤاد رفقة من قلائل رواد الحداثة الشعرية العربية في القرن العشرين ممن انتبهوا إلى دلالة الرومنسية الألمانية الأولى، وهو الذي استلهم نموذج هولدرلين في بعض ما كتب، وكان قد درس الفلسفة الألمانية في جامعة توبنغن بألمانيا على يد أحد أساتذة هيدغر، وقد كتب أطروحة الدكتوراه حول فلسفة هيدغر في الشعر.

*

بعيداً إذن عن الشاعرية المفرطة التي يرتبط بها لفظ "الرومنسية" في الذهن العربي، فإن ما تنفرد به الرومنسية الأولى -- حسب بنيس -- هو ابتكارها لمفهوم "الأدب المطلق". ولا يسعنا إلا أن نرى في فكرة "الأدب المطلق" هذه إرهاصاً أولياً لما سيتجلى بدوره في الحداثة الشعرية العربية بعد الحربين العالميتين في ما أصرّ جبرا إبراهيم جبرا على تسميته بـ"الشعر الحرّ" (بدلاً من "الشعر المنثور")، وأدونيس ومحمد بنيس بـ"الكتابة" المفتوحة، وهو ما دعا قاسم حداد وأمين صالح إلى الإعلان: "النص مدى مفتوح. مرنٌ كالحرف، هائلٌ كالحرية" في بيان "موت الكورس" (1984). نجد المثال الساطع على الانعتاق الرؤيوي في الرومنسية الأولى في أشعار هولدرلين ومعاصره الإنجليزي ويليم بليك، وهما أول من بادر من شعراء الغرب الحديث إلى مماهاة المخيّلة الشعرية بالكشف المعرفي.

يقول أدونيس في تتمته المطوّلة لـ"بيان الحداثة" (1992)، وهي أشبه بالمحاورة النقدية مع الصيغة الأولى من البيان الصادر عام 1978:

"نلاحظ أن القضية الأساسية في الحداثة لم تعد تكمن في كتابة الشعر وزناً أو نثراً، وإنما أصبحت تكمن في الأفق الكشفي-المعرفي الذي تؤسس له هذه الكتابة، داخل التاريخ العربي، من جهة، وخارجه -- في تاريخ الإنسان المعاصر، من جهة ثانية. [...] إن مشكلية الحداثة الشعرية في اللغة العربية جزء جوهري من مشكلية المعرفة -- بوصفها علاقة بين الإنسان والمجهول، ومن مشكلية العلم بوصفه علاقة بين الإنسان والطبيعة، ومن مشكلية التقنية بوصفها عملاً وتطبيقاً. وهي إلى ذلك وبفعل ذلك لا تنفصل عن مشكلية أعم ترتبط بوجود العرب ومصيرهم الحضاريين على السواء. [...] ليست الحداثة الشعرية من هذا المنظور مجرد بنى وتشكيلات كلامية، فهي تفترض، بدئياً، معرفة الشاعر العربي نفسه بوصفه ذاتاً، وبوصف هذه الذات لغة، وبوصف هذه اللغة أداة كشف، وإفصاح، وإيصال. هذه الإحاطة المعرفية بالذات، والتي هي الشرط الأول والبدهي لكتابة الحداثة تعبيراً عن الذات، إنما هي في الوقت نفسه، الشرط الأول البدهي للعلاقة الخلاقة مع الآخر. [...] غير أن هذه المعرفة في المجتمع العربي ليست سهلة، بل أذهب إلى القول إنها، على العكس، شبه متعذرة، في أوضاعه القائمة. والممارسة هنا، إما أنها نوع من المناجاة لا تتعدى الذات، وإما أنها نوع من المداورة، ولا تتحرر الذات حقاً إلا إذا مارست المعرفة، كشفاً وإفصاحاً، بحرية كاملة. ولا تكتب الذات حقيقتها إلا في مثل هذه المعرفة الحرة، وهذه الحرية المعرفية."

إن العالم الذي انتمت إليه القصيدة القديمة هو العالم الذي انهدم كلياً – بعد احتضار دام زهاء القرن والنصف – عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها نهاية الأربعينات، وأعيد ترتيب الهيمنة الإمبراطورية تباعاً وفقاً لنتائج الحرب، حيث تراجعت الإمبراطوريات التقليدية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا مفسحة المجال لحقبة جديدة ذات ملامح مغايرة، هي حقبة الهيمنة الإمبراطورية الأمريكية تحت غطاء حلف شمال الأطلسي. ويخيّل لي في هذه اللحظة أكثر من قارئ وهو يعبث بياقته متحرّجاً من مثل هذه الفجاجة التي تزعم الحديث عن القصيدة والقنبلة بنَفَسٍ واحد. هل ثمة استعداد لربط لا السلطة السياسية فحسب بل القوة العسكرية بنظرية الشعر؟ أحسب أن هذا الارتباط كان ماثلاً في صميم الحداثة الشعرية العربية المعاصرة منذ البداية. فمن اللافت أن نجد محمد الماغوط مثلاً – وهو أحد رواد الحداثة الشعرية المعاصرة – يحدد في ذلك المنعطف التاريخي الحاسم النقطة الفاصلة بين حقبة "التمهيد" للحداثة الشعرية منذ جبران وأمين الريحاني، وحقبة "التحقّق" ما بعد الحربين والتي تجسّدت أول ما تجسّدت في ما يعرف بالتيار التموزي ثم في مدار مجلة "شعر" وغيرها من الإصدارات. فالواقع الغريب الذي يرتهن إليه الشاعر المعاصر، يشير الماغوط، هو ذلك النظام الأممي الذي تشكل تحت إدارة الولايات المتحدة بغطاء من الحلف الأطلسي المستحدث بعد الحربين.


*

لا بد من التسليم بالقول أن جانباً من "الحداثة" المعاصرة معني في صميمه بانتهاء صلاحية العقد المضمر بين الشاعر وتراتبية المجتمع العربي بلا عودة، وهو العقد الاجتماعي الذي كان دعامة أساسية لهيكل الشعر العربي التقليدي لألفية من الزمان – وليسمح لنا القارئ مؤقتاً بهذا الخط الزمني الإجرائي العريض – تمتد من سقوط بلاط الخلافة العربية في يد السلاجقة (1057م) بالتزامن تقريباً مع وفاة أبي العلاء المعري آخر شعراء ما يمكن أن ندعوه بالحقبة الكلاسيكية في الشعر العربي (1055م)، وصولاً إلى انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945. مع انتهاء هذا العالم نصبح على مسافة نوعية حتى من الحداثة العربية الأولى التي تصدرها أبو تمام وأبو نواس، أو الشعراء "المحدثين" في الحقبة الكلاسيكية، ونقصد بكلمة أن تلك العرى الاجتماعية التي كفلت للشاعر التقليدي سبل البقاء على قيد الحياة والتي أمدّته بمصادر الرزق ولقمة العيش والمكانة الاجتماعية قد انتفت كلياً وأصبح انتفاؤها عربياً أمراً مفعولا. في مكانها صعدت "المدينة" المكللة بالضباب مداراً للشاعر وحركته، وصعد بالتزامن إنسان "المدينة" الذي يقدمه جبرا وصديقه السياب في عدد من نصوصهم للقارئ العربي متقمصاً الربّ الوثني "تموز". وأزعم أن هذا الهاجس "المدني-الوثني" (وليس غريباً أن يفضل مالارميه لفظ الشعر التعددي (polymorphous) على "الشعر الحر"، وإن لم نوافقه في الرأي هنا) يغير العلاقة جذرياً بين الطبع والطبيعة الرومنسية العربية، فلم تعد العلاقة المباشرة مع الطبيعة ممكنة بحال. أو فالنقل أن ما حل مكان علاقة الشاعر الرومنسي بالطبيعة هو أصالة العلاقة مع "الطبيعة الثانية" كما سماها أرسطو، ونعني أصالة العلاقة بالمدينة والاجتماع البشري قبل الغابة وبراءتها الوحشية. وهو الذي يميز رومنسية الوجدان التي قال بها لامارتين عن رومنسية الرؤيا التي قال بها الألماني هولدرلين أو الإنجليزي وليم بليك، وهو كذلك ما يميّز الشعرية العربية في القرن العشرين كحركة انتقالية من عالم الخلافة السياسي القائم على أصالة "الملّة" إلى عالم جديد هو عالم المدينة القائم على أصالة.. ماذا يا ترى؟ يبقى السؤال مفتوحاً.


-----------

  • راجع: فتحي المسكيني، فلسفة النوابت، "جبران أمام نيتشه: أو النسخة العربية من العدمية" (بيروت: دار الطليعة، 1997)، ص 33-47.

  • حول "الحداثة" الكلاسيكية لأبي تمام وأبي نواس: هدى فخر الدين، "الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية"، موقع جهة الشعر.

*

يمكننا تلخيص معالم النزعة التموزية فيما سماه عباس بيضون بـ"أسطورة الانتقال" في معرض تأبينه للماغوط:

"من أين استطاع محمد الماغوط أن يصل إلى دم اللغة، وإلى دم الشعر الحي، وأن يقشّر الكلام ويصل إلى عصارته ولبّه النابضين؟ لقد فعل ذلك، ليس بالوحي وحده، بل بمعاناة عظيمة أحرقت كل التراب الذي في صدره وفي عينيه، وجعلته يصل إلى الوهج الصافي. معاناة ليست لشخص فحسب، ولكن لحقبة. لقد كان هذا الشعر بحق في لحظة الانتقال إلى المدينة. كان افتتاناً بالرصيف والشارع والحانة والمقهى، والمبغى أيضاً، بقدر ما كان رجماً للحظةٍ غادرة تجف فيها الأنهار وتقوم الدول على جبل من الأكاذيب. [...] استطاع الماغوط، بأربعة كتب، أن يصور أسطورة الانتقال هذه. [...] إذا قالت المدينة للماغوط اشرب دموعك فلأنه يعاقب نفسه على افتتانه بها. كان الشارع دائماً مرآته. لقد كره الدولة كما يفعل فوضوي حارب بيأس في كومونة باريس، أو جمهورية روسية. هو الذي لا يعرف ذلك، كان أكثر الناس شبهاً بعصره."

  • عباس بيضون، "مجنون المدن والعصفور الأحدب" في محمد الماغوط: العاشق المتمرد، إعداد وتوثيق: علي القيّم (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 2006)، ص 13.

*

ثمة صلة حميمة بين المدينة والأسطورة في الشعرية الرومنسية الأولى، نتلمسها بداية في أسطورة هايبريون (Hyperion) التي وظفها هولدرلين عام 1797 لنقد التمدّن الألماني الذي لم يزل في أطواره الأولى آنذاك، وفي ابتداع وليم بليك في نفس الفترة لأسطورة ألبيون (Albion)، الذي يمثل هوية لندن الأسطورية الحيّة عبر الأزمان في مواجهة توسع المدينة الحديثة. وهي عقدة يتواثق فيها كل من "الشعر المطلق" من حيث هو كتابة رؤيوية، وإشكالات الإدارة المدنية البيروقراطية الحديثة والناشئة في بريطانيا منذ القرن السابع عشر (تحت سطوة شركة الهند الشرقية) وفي ألمانيا مع نهاية القرن الثامن عشر (تحت تأثير فريدريك الثاني أولاً ثم التنظيمات النابليونية مطلع القرن التاسع عشر) أو ما تدعوه الأدبيات الاجتماعية بـ"ترشيد الحكم" حسب تعبير ماكس فيبر، بالتزامن مع الاجتياح العلماني لمؤسسات المجتمع فيما تسميه بعض الحلقات الثقافية (إثارياً) بـ"موت الإله". تلك العقدة تصبح محوراً مركزياً في الحياة الثقافية العربية بعد الحربين، وسوف نبحر في ثناياها في نصوص قادمة.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email