هل تسمع سلمان زيمان؟ (لولا ينقذنا الفن - قصص من التراث الشخصي)


كنت ولا فخر ابن مرحلة كان فيها اليسار مسيطرا على الفضاء العام في البحرين ولكني كنت على تخوم الجماعات أميل لمزاج هذه تارة ولتلك أخرى. وتلك ربما جبلة لا اختيار في الشعراء. ولن أبالغ لو قلت أن تلك المرحلة كانت أشبه شيء بمرحلة حكم الطوائف للفضاء العام التي نعيشها الآن ولو أن كثيرين من أعضاء اليسار وأصدقائه لا يحبون هذا الكلام لكن يا رب ما علاقة الحب بالمعرفة؟ فلقد كان الأمر كذلك أو هكذا شبه لنا على الأقل. ذلك أن الطوائف في رأيي ليست بما تعتقد، لكن الأهم بم تعتقد، أي بالأداة والطريقة والوسيلة لا بالمحتوى المضموني للعقيدة. كنت في ذلك الوقت اعيش على التخوم وفي ظل هذه الأجواء التي كان فيها لكل جماعة فنانها وفي العشرينات من عمري، عرفت حفلات الكبار، (الراحل سلمان زيمان ومحمد يوسف وخالد الشيخ)، ثم الصغار من الموهوبين. بالنسبة لي لا يمكن أن أتذكر بدايات تعرفي على غناء هؤلاء دون أن أدخل من باب هذا التقسيم الوهمي الذي كنا نعيشه في الفن والسياسة والمجتمع المدني والعمل الاجتماعي في الأندية والمناشط الثقافية وغيرها فلقد استمعت في مستهل شبابي إلى سلمان زيمان في نادي العربي (الوحدة ثم النجمة لاحقا)، واستمعت إلى خالد الشيخ ومحمد يوسف في نادي توبلي ونادي مدينة عيسى وهكذا كان الأمر إذن.

وحين أشبهه بالطوائف فأنا لست معنيا هنا بِالْكُنْهِ والجوهر في عالم الجواهر أو النومينات او الشيء في ذاته على طريقة عمنا كبير الفلاسفة (كانط) بل أنا معني بالظواهر فقط، طالما أننا في نهاية الأمر ومنذ القرن التاسع عشر (على الأقل)، لم يعد لدينا شيء جوهري حقا فكل ما لدينا هو الظواهر ليس إلا وكل الفلاسفة منذ بدء القرن على اختلافهم اهتموا بالظواهر، التي هي طريقتنا الوحيدة الممكنة لفهم العالم من حولنا ولفهم أنفسنا. وفي الظواهر عشنا جميعا وهم الانقسام أو انقسام الوهم وكثيرا ما كان ذلك من أجل لا شيء. المرجعيات كانت إلى حد كبير واحدة والأهداف واحدة وإذن لم كانت هذه الاستحواذية إلى درجة أن الصراع على مقاعد إدارة ناد أو جمعية أو كيان عمالي أو طلابي كان مسألة حياة أو موت؟ وناهيك يا صديقي بالصراع على أذن مستمع للفن في طريقة لم تكن تخلو مما نحن عليه الآن من صراع الخطباء المنتمين لمختلف الاتجاهات على أسماعنا أيهم يظفر بالعدد الأكبر من المستمعين؟ الجواب في اعتقادي أننا كنا سواء تعلق الأمر باليسار أم باليمين وسواء تعلق الأمر بالعالم الواقعي Real أم بالعالم الافتراضي Vertual نربي أتباعا Followes لا أفرادا أحرارا. ذات مرة انتبهت وأنا أبحث بشكل متطرف في نظرية أن العربية هي أصل كل اللغات إلى أن (فلو) هو المهر الصغير الذي فطم حديثا ويتبع أثر أمه!!.


كان أول تعرفي على الراحل سلمان زيمان في هذه الأجواء المليئة بالحماس والاصطفاف، وكنت أقارنه على قلة فهم مني تلك الأيام بما أسمعه على الضفة الأخرى. كان سلمان زيمان اقرب إلى شيء لم أسمعه من قبل، غناء تطغى عليه وحدانية الصولو بالمعنى الثقافي لا الموسيقي - برغم أنه من رواد الغناء الجماعي عبر الفرق الموسيقية - وحداثة الإيقاع الذي يميل إلى اغتراب الإنسان وتجديد الذائقة السمعية، وكنت أقول لنفسي هل هذا غناء أم ماذا؟، وهل هي أغنية عربية أم عالمية؟ سأعرف ايضا عربيا خالد الهبر ومحمد منير وغيرهم ممن ارتادوا هذا النوع من الغناء حيث الكلمة والإحساس أهم من التطريب التقليدي. وعلى الجانب الآخر كان محمد يوسف وخالد الشيخ يغرفان من نفس هذا البحر الخليجي المليء بما لا ينفد من كنوز أساطير الموال وعذابات البحار وانكسار النخل تحت مطرقة العطش. لم يكن هذا الاختلاف بلا وازع.

فخلف كل من الاتجاهين كانت ثمة رؤية عالمية وأخرى محلية في السياسة والثقافة. لكن وعلى طريفة الشاعر السنغالي ليوبولد سنغور وهو يخاطب الفتيات اللاتي علقن عليه آمالا كبطل صنديد، فيخيب آمالهن حين يذكرهن: لست إلا قوالا، (القوال في القبائل الإفريقية أشبه بالمغني الذي يتنقل في المفازات ينشد الأشعار) وهو هنا يكني بذكاء الشاعر عن أن الشعر والفن كثيرا ما يكون غاية ذاته وإن ليس بشكل مطلق، لكن ثمة إشارة في اعتراف سنغور إلى أن أهمية هذا الولع بالقول والإنشاد هي لوحدها أكبر من أمل الجميلات أن ترى فيه بطلا إفريقيا، على هذه الطريقة السنغورية إذن، أنقذ هؤلاء الفنانون فنهم وانقذوا أنفسهم وحسنا فعلوا، إذ بذلك أنقذونا ولو إلى حين من احتراب بلا طائل. نحن البحرينيون عموما بمختلف انتماءاتنا الحزبية و الإيديولوجية في سوابقنا السياسية - آمل ألا نكون حتى الآن - قلما أولينا للفن كفن لنفسه، والكتابة ككتابة لنفسها، أكان موسيقى أم شعرا أم غناء ام سردا ومقالة أم حتى إنشادا - كما في حالات الإسلام السياسي - قلما أولينا الصوت والكلمة واللحن اهتماما لها من منطلق البعد الإنساني الخاص لا العام، ومن منطلق الموهبة لا البروباغندا، لولا أن الفنانين والشعراء لحسن الحظ غالبا ما ينتبهون لذلك فيذهبون إلى حيث لا تطالهم قسمتنا البائسة ويعودون من ثم ليعلمونا أن الحكاية الكبرى Grand Narrative هي واحدة إذا ما تعلق الأمر بالفن، وهي حكاية ما يضيفه الفن للسياسة أكثر مما تضيفه السياسة للفن. ففي ملاحق تجارب المرحوم سلمان زيمان وخالد الشيخ سيكتشف اليسار المأسوف على زمانه أنه واحد أمام استحقاقات عصر لا يعرفه فيه أحد. هكذا في حفلين مهمين لعلمي الانتلجنسيا البحرينية خالد الشيخ في ١٨ مارس ٢٠١٩ - المسرح الوطني، سلمان زيمان قي خمسينية أسرة الأدباء والكتاب ٢٦ ديسمبر ٢٠١٩ - الصالة الثقافية، تعرفت الوجوه التي كانت شابة إلى بعضها بعضا بعد أن وسمها الزمن بميسمه وأضفى على الرؤوس مسحة من بياض الحكمة وتواضع الخسارة، وكأن الفن يقول لنا بعد أن قال الشعر ذلك عديد المرات: لئن فرقتنا الذاكرة فقد يجمعنا النسيان. وكأنهم يقولون لنا: أنتم الذين انقسمتم حولنا، طيبوا النفس، لسنا سوى (قوالين)، يقول سنغور. ولئلا يسألني رفيق في خلية حزبية كان متشككا في هويتي التنظيمية: (قل لي من تسمع اقول لك من أنت).

في ذلك المساء من أواخر العام الماضي 2019 وعلى خشبة الصالة الثقافية وفي مبادرة من أسرة الأدباء والكتاب كانت من ذكاء المقادير الذي التقى مع أريحية وتواضع هذا الفنان الكبير الذي لم تكن موافقته أن يكون فنان خمسينية أسرة الأدباء والكتاب لتستغرق وقتا، أتحف الراحل جمهوره الذي أظلته تلك الليلة خمسون عاما من إرث الكتابة والقراءة. كان سلمان ناحل الجسد إلى حد يثير السؤال حول أمر ما لكن قوي الصوت برغم وهن لا تخطئه الأذن. أتذكر تلك اللحظة وهو يعوض تعبه بأن يترك للجمهور إكمال النص. شكرا سلمان زيمان لأنك قاومت لكي تغني لنا قبل سبعة أشهر من رحيلك. شكرا لنحولك الرهيف وكأن أبو الطيب يقول:

كفى بجسمي نحولا أنني رجل /

لولا مخاطبتي إياك لم ترني


قرأت خبر مغادرتك فتذكرت فورا عبارة قاسم حداد: (وحين يستيقظ الرفاق يجدون في فراشي جسدا مريضا وقصيدة نشطة)

2 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email