يوم الثلاثاء



هاهو الليل يرخي سدوله، اشتدت كثافته، أوغل في الظلمة، لم تكن السماء مقمرة، فلقد غاب السمير وبدت موحشة. بعد قليل سأدخل في أول بقعة ضوء، يبدو أن الصوت الصادح هو لذلك البلبل الذي اعتاد الولوج في الضوء المائز بين نهاية الظلمة وبداية النهار، هو يعرف التمييز بين الخيط الأسود والخيط الأبيض.

كم جهدت أن أبقي هذا اليوم معي، لا أريده أن يرحل مثل باقي الأيام. اسيقظت قبيل انتشار الحمرة في السماء، بعد ادراك الفجر وفضيلته، دخلت البيت، في غرفتي قلبت الساعة على الحائط؛ أعطتني ظهرها، هكذا أفضل لا أريد أن أرى عقاربها الغبية تقفز مسرعة وكأنها تجهد في قضم الوقت. بالأمس دعوت كل العائلة للإحتفال بهذا اليوم، ولدي الأكبر ساجد، وابنتي سيرين وسيما.

في الصباح كنا نبدأ يوما مختلف بنكهة أخرى لم نذقها من قبل. اشترطت عليهم أن لا يأتون متقلدين ساعاتهم وكذلك التخلي عن هواتفهم:

-أبي يمكنني ترك الساعة ولكن الجوال لا، أنا أتوقع في أي لحظة مكالمة ما داخلية أو خارجية، احتج ساجد.

-من أجلك بابا فليجلس النقال مع ساعتي يزجيان الوقت في غرفتي، هكذا تقبلت سيرين.

-أخاف أن يتصل زوجي ولا أجيبه، تهجست سيما.

في النهاية وافقوا على هذه الرغبة الغريبة، ربما رأوها شهية أب وحيد غابت عنه توأم روحه.

كنت أتجاذب أطراف الحديث مع ابني في حين أحضرت البنتان الفطور في الساعة التاسعة. ونحن نأكل طافت الذكريات بهم، تذكروا المائدة وهم صغار في حضور أمهم، أخذ كل يذكر مشهدا بعينه حتى تكاملت الحكاية بصورة هنا وثرثرة هناك، على لسان سيرين تارة وأخرى على لسان أختها وثالثة على وقع ضحكات أخوهم.

أسدلت كل الستائر محاولا الإحتفاظ بكل تفاصيل اليوم حتى لا يبددها تغيرألوان السماء، أضأت المصابيح وتدلت الثرية بوجهها المنير ترشق المكان بنور كريستالي.

كنت أعب كل ذرات تآلفهم وشوقهم ، ممزوجة بفرحتهم، أتذوق طعم العيال، أستنشق عبير روائحهم،تمتد يداي لتقرص ساجد في يده ثم تمسح على شعر سيرين، فتغار سيما وتلقي برأسها في حضني فأقبلها وأدغدغ صدغيها.

وسرعان ماوثب الوقت ،فوجدتنا نأكل الغداء، برعت كلتاهما في دس روح الطعم الذي احتفظت به أمهما في طبخها المُميّز. أكلنا حتى الشبع. كنت التقط بعض التفاصيل من على صفحة وجوههم، خمنت أن ساجد يهيم بعض اللحظات في وديان سحيقة، سيما تكتم بعض هواجسها جاهدة على تزيين وجهها بابتسامة مرتعشة، وسيرين تحوم مثل فراشة حول شعاع ما.

وأنا أحلم أن أجمعهم في إطار مذهب، يجمعنا بأمهم ويبقى هكذا خالدا ينطق بتلك الجلسة، حين دقت الساعة تمام الثانية عشرة، فتململت الشموع ثم أطفأتها أنفاسنا الحارة، معلنة دخول العام الجديد، الذي أحذها بعيدا عنا.

أردت أن يبقى الإطار كما هو وتمنيت أن تظل الحركة دائمة دون توقف، أن تنبض بالفرح الدائم.

هاقد حان وقت العشاء، تناولناه تماما في الساعة التي كانت هي خصصتها حسب تقويمها البيتي؛ السابعة والنصف مساء، لا تنقص ولا تزيد، نجادلها، تعتب علينا، لسنا دجاجا في مزرعتها، تضحك فيشرق السحر في وجهها، تأسرنا بعينيها العسليتين، نقرها على فعلها الحنون.

الآن استعادة لذكراها نتناول العشاء في توقيتها الأزلي الذي ترعرعر الأولاد وشبوا على مراعات دقته. تذكرو ا تقويم أمهم ذلك الترتيب الدقيق لوقت الوجبات ونسج خيوط النوم على إيقاع حكايات ألف ليلة وإمساك أشعة الشروق بسهامها الزرقاء المحمرة، تأسرها في كأسها الفضي المقدس!

حان موعد رحيلهم، انفض الجمع. لم يعرفوا الوقت؛ أخبرتهم أنها الساعة العاشرة والنصف، انتفضت سيما، لقد تأخرت بما يكفي دون اتصال ودون جوال، سيرين بدت راضية، ساجد نهشه القلق.

ودعتهم قرب البوابة، انطلقت سيما بسيارتها وتبعها ساجد مع سيرين في سيارته. عدت متثاقلا، ولجت إلى غرفتي، أشعلت النور الأصفر، ضغت زر مشغل الأقراص، غرقت في لجة البحر البيضاء والمياه اللازوردية تتراقص أمام عيني وفجأة رأيتها تمسك بيدي ونحن نسير حفاة على الرمال الذهبية، فرحت ، داهمتني موجة فرح، ضغت على يدها كي لا تهرب، لم أجد كفها ، كان الليل يوشك بالذوبان كالملح في مياه البحر، هرب مني يوم الثلاثاء وتركني وحيدا.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email