الميثولوجيـا والهويـة في روايـة ..المحيط الإنجليزي(2)


وثيقة صادرة عن الدولة البهية القيصرية الإنكليزية تشير إلى أن حاملة هذه الورقة بخيته بنت عبدالخير سابقاً عبدة عيسى بن هجرس قد صارت حرة 1939

الروائي فريد رمضان - تصوير صالح ناس

أحداث الرواية وأمكنتها


تدور أحداث الرواية في أكثر من منطقة مكانية، إذ توزعت الأحداث بين البحر والأرض تلك الأرض حددتها الأحداث بالاسم، هي: مسقط ومطرح في عمان، وسقر في بلوشستان، والمنامة وضواحيها في البحرين، ومكة وجدة في السعودية، وكذلك في زنجبار، وكل هذه الأحداث لها علاقة مباشرة ببعضها البعض، فلا يمكنك أن تفضل حدث في مكان ومتابعته من دون النظر إلى حدث آخر وقع في مكان آخر؛ لأن الشخصيات التي رسمها الروائي لها علاقة بهذه الأمكنة ويبرزها بين الحين والآخر بحسب الحدث نفسه، كما أن الأحداث كلها تقريبًا تدخل في سياق مجموعة من المفاهيم المهمة في حياتنا، وهي تلك يركز عليها الكاتب في رواياته، تلك المتعلقة بالهوية، ولكن هنا توسع أكثر من الهويات ذات العلاقة بالمنطقة المتداخلة بين بعضها البعض كما جاءت في الأعمال الروائية الثلاثة، أما في هذه الرواية فقد اتجه إلى مناقشة الهويات القادمة من غير العرب، وتحديدًا من بلوشستان في الشرق، ومن زنجبار وأفريقيا من الغرب، فضلاً عن عودة العديد من العرب والفرس من الساحل الشرقي للخليج العربي إلى الساحل الشرقي، وهذا طرح في أكثر من دراسة تاريخية وأعمال إبداعية أيضًا، فضلاً عن بعض الكتابات الصحفية المنشورة ورقيًا أو إلكترونيًا.

حكام بلوش في عام 1800

ولم تأت خيارات الروائي لهذه الأمكنة صدفة أو رغبة في توسع مساحة مكان الأحداث، وإنما كل مكان اختاره كان له أهداف من ورائه وبيان طبيعة العيش فيها وما يحتويه من دلالات، ومثال على ذلك حين اختار قرية صغيرة في بلوشستان، هي (سقر) من منطقة مكران لم يكن إلا ليكشف عن طبيعة هذا المكان غير المستقر، القابع تحت الحرب والقتل الخوف، بل أن اسم هذه القرية جاء كأحد معاني النار، فمعنى سقر: كما جاءت في القرآن الكريم، فهي اسم من أسماء النار، وتعني النار الحامية آكلة اللحم والعظم، ولكن في الوقت نفسه هي قرية من قرى مكران، التي بينت أكثر من رواية عمانية حضور منتسبي هذا المكان إلى عمان من خلال الهجرات، أو التجارة بالبشر، كما في رواية سيدات القمر لجوخة الحارثي، ورواية الباغ لبشرى خلفان، أما قرية سقـر فهو اسـم ذكر في القرآن الكريم، فقـال الله تعالـى: (إن المجرمين في ظلال وسعـر، يـوم يسحبون في النار على وجـوههـم ذوقوا مس سقر)(2)، وقال تعالى: (سأصليه في سقر، وما أدراك ما سقر)(1)، وحين اختار مطرح لبعض الأحداث فلأن هذا المكان فيه الخليط من البشر، وتحديدًا القادمين من بلوشستان أيضًا، وحين حدد حي الفاضل بالبحرين ليوضح تعدد الجنسيات فيه وقربه من ميناء المنامة، وحين تناول بالذكر بعض المناطق عرضًا فمن المؤكد كان يرمي لربطها بأحداث الرواية ربطًا مباشرًا أيضًا، مثل منطقة غوادر (جوادر) التي هي مدينة وميناء تطل على بحر العرب، مدينة في الأصل باكستانية، ولكنها كانت خاضعة إلى عمان منذ 1797 حتى 1955، وعندما عقدت مفاوضات بين عمان وباكستان باتت تحت السيادة الباكستانية(3).

د.فهد حسين

تدور أحداث الرواية بدءًا من العام 1896، أي أحداث الرواية تدور في نهاية القرن التاسع عشر، وتحديدًا تلك الأحداث التي بدأت في عام 1896، كما أشار الكاتب في العبارة الأولى من الفصل الأول، وهذا الافتتاح للفصل الأول جاء موفقًا جدًا حيث الجملة الأول من أي عمل كفيل بمتابعة العمل وتحريك الاستفزاز لدى القارئ، وهو ما فعله فريد رمضان قائلاً الراوي: " أصوات طبول تقرع في مكان ما في تلك الليلة المدلهمة من العام 1896، تحملها ريح متناوحة في المحيط الهند، وجدت غايتها على هذه السفينة التجارية المبحرة بسلام في طريقها نحو بحر العرب "(4). ولكن من القضايا التي ناقشتها الرواية في سياق التبادل التجاري عبر البحار والمحيطات أصالة الشعوب، وهنا نورد ما وجدناه في بعض المصادر والمراجع، ويبقى الموضع شائكًا بين مؤيد ومعارض فيما يخص الوجود البشري على الأرض التي تنزعها الناس منذ القديم، وكثرت هنا أو هناك وفق الهجرات والرحلات والتنقلات المختلفة.

ومن هنا نسوق ما تشير إليه الرواية في هذا الصدد، فسياق أحداث الرواية، ومع بعض الآراء التي تشير هنا أو هناك بعدم وجود شعب أصيل في أية منطقة من المناطق، هناك في سجلات بومباي ما يقارب سبعة مجلدات تضمنت معلومات عن البحرين، بالإضافة إلى المعلومات الموجودة في المكتبة الوطنية بلندن، لذلك تشير المعلومات إلى أن العلاقات مع شبه القارة الهندية كانت قبل خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، إذ يشير الدكتور على أبا حسين في موضوع كتبه بالوثيقة تحت عنوان العلاقات التاريخية بين البحرين والهند، يشير فيه إلى أن العلاقات تعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد، وأعطى دليل الحصول على بعض الأختام في البحرين وبعض مناطق الهند تؤكد كما بينه بعض المكتشفين، ويقول (راو): " عثر على ستة أختام من وادي الأندس في كل من البحرين وعمان، مما يجعلنا نستنتج على أن بعض الهنود كانوا يعملون في التجارة بأرض دلمون وعمان، وجنوب وادي الرافدين، فاستخدموا هذه الأختام لختم بضائعهم، ومثلها عثر في (باربار) وهو موضع أثري قديم بالبحرين على أختام يتضح فيها وجه الشبه الفني مع أختام حضارة (هارابا) بالهند، وقد أرخها علماء الآثار بالعصر الأكادي أي في حوالي منتصف الألف الثالث قبل الميلاد "(5).

وهنا لا نستبعد أن عددًا من هؤلاء التجار وأصحاب الأعمال أو حتى الأجراء الذي يعملون لدى هؤلاء قد استوطنوا البحرين وبعض مناطق الخليج في مسيرة هذه الرحلات والتبادل التجاري، وبهذه الإقامة قد نشأ تزاوج وإنجاب واستمرار في الحياة حتى يومنا هذا، كما يشير المقال إلى أن " عدد سكان البحرين في العام 1911 بلغ (115) ألف نسمة نتيجة ما كانت تتمتع به البحرين من ميزات جغرافية وتجارية وسياسية جعلت التجار الأجانب يقبلون للعمل في البحرين "(6). وما جاءت به الرواية حين أوجدت عددًا من الناس في البحرين قادمين من أفريقيا مثل: مايك (مباندا) وجوهرة وفرحان، من أفريقيا، ويوسف القادم من بلوشستان، فضلاً عن عبدالعزيز بن يحيى القادم من شبه الجزيرة العربية، هؤلاء تعايشوا على أرض البحرين، وأسسوا عائلات لم تعرف أبناؤها غير هذه الأرض، كما أن العلاقات بين البحرين والمنطقة بشبه القارة الهندي تطورت مع تطور الزمن وتغيير الحالة السياسية والدينية، " ويؤكد الملاح أحمد بن ماجد أن السفن العربية كانت تضطر للرسو في الموانئ الهندية والسيلانية حين تبحر إلى الصين، وتعود إليها، وذلك لبعد المسافة ")(. وكانت لشركة الهند الشرقية البريطانية دور في مجال التجارة وتنشيط الاقتصاد، إذ كانت تنقل البضائع والسلع، مثل: البخور التوابل والحرير والقطن والأنسجة وغيرها من المواد)(، وهو ما أكدت عليه الرواية بين الحين الآخر، ليس فيما يتعلق بالبضائع القادمة من الهند تلك المناطق الشرقية، وإنما فيما يتعلق بالمناطق الغربية لشبه جزيرة العرب والخليج، أي من دول أفريقيا.

الملاح أحمد بن ماجد

أما سفينة الربان عبدالله حمود التوانقي فإنها لم تكن مكتفية بالبضائع التي عادة تؤخذ على ظهور السفن، وإنا كانت محملة بما يمنع القانون حملها، وهي ثلة من البشر ذوو البشرة السمراء أ والسوداء للمتاجرة بهم وبيعهم في الموانئ وأسواق النخاسة، فحين أحس الربان بالخطر راح " في مزاج لا يسمح له بمجاملة مساعديه الذين يجتهدون في مسامرته حول أحوال بلاد تركوا ميناءها منذ ليلتين أو أكثر، أو عن أحوال بضاعته من التوابل والقرنفل والخرز والعاج وقرون الكركدن (قرون الحيوان)، وأصداف السلاحف والأخشاب وزيت الهند والحرير، أو ارتفاع أسعار بضائعه الأخرى السرية المخبأة في القبو "(7)، وهنا تبدأ الحكاية، إذ ليس المهم تلك البضائع المنتشرة والمركون والمصفوفة بطريقتين سوية وعشوائية، التي يراها الجميع، ولكن الأهم من هذا التنقل والإبحار ومواجهة المخاطر تلك التجارة الخفية، تجارة الرقيق، وهؤلاء الرقيق الذين هم في الأصل أطفال وشبان تتراوح أعمارهم بين الثامنة والتاسعة عشرة. " وفي لحظة مفارقة لم يعتادوا عليها قدحت عين الربان عبدالله وزجر بقوة: لن يمهلنا البحر. القمر في مخبئه، ولن يشهد ما سيحدث. اذهب يا نزنجي وتأكد من ربط البضائع، واجعل أغلاها ثمنًا في مأمن. ولا تترك عبدًا أو أمة إلا وشددت القيد عليه بالسلاسل والحبال. وأنت يا جبّار افعل ما أمرتك به مع البحارة، وأشرف على قيادة الدفة بنفسك "(8).

وبعيدًا عن البناء السردي والتخيل لدى الروائي وهو ينسج الأحداث، فإن هناك العديد من حوادث الغرق لسفن صيد أو سفن غوص لاستخرج اللؤلؤ أو سنف بضائع، وكما بين فريد رمضان غرق سفينة عبدالله التوانقي، والسفينة التي شب فيها الحريق بعد ما أطلق شير محمد النار على براميل الكيروسين وهم على مقربة من ميناء مسقط، وكذلك الحديث عن سنة الطبعة، تلك الحادثة التي ذكرتها أكثر من رواية، مثل: رواية بحر أخضر ولؤلؤ أحمر مع المفارقة في بنية الحدث السردي وأهميته في سياق أحداث كلتا الروايتين، وهنا حدث حقيقي أيضًا وقع لسفينة عمانية هي جوهرة مسقط، تلك السفينة القادمة من الصين محملة ببضائع وأوان من السيراميك مكتوب، ولكن عبر رجوعها إلى مسقط مرورًا بإندونيسيا غرقت في البحر، وذلك في القرن التاسع الميلادي، حتى تمت اكتشاف بعض منها في سنغافورا، وهذه السفينة لا شك تمثل علامة بارزة في تاريخ المنطقة التي كانت على علاقات تجارية وتاريخية بالصين وشرق آسيا، وهذا الحدث جعل الدكتورة الروائية العمانية زوينة الكلباني تكتب رواية بعنوان (الجوهرة والقطبان)(9) تسرد فيها بلغة سرية وعلاقة عاطفية هذه السفينة التي صنعت على شكل السفينة التي غرقت وتبحر حتى سنغافورا لتسلم هناك هدية من سلطان عمان السابق (قابوس بن سعيد).

أطفال وشبان تتراوح أعمارهم بين الثامنة والتاسعة عشرة محشورين في طبقات التخزين لاحدى السفن التجارية

صورة توضيحية لطريقة تخزين العبيد في السفن

لم يصل أي رجل إلى درجة القبطان أو ما نطلق عليه نحن في الخليج بالربان إلى هذا الدور الحساس والمهم، والمسئول عن أرواح البحارة، وبضائع التجار والسماسرة إلا بعد علم ومعرفة وتجربة مهنية تتعدد السنوات، إذ يعود دوره وأهميته الفعلية الآمر والناهية طالما هي في عرض البحر والقرار والحاسم يبده سواء فيما يتعلق الأمر بالجانب المادي والبضائع وما تحمله السفينة على ظهرها، أم في مصير الأفراد العاملين معه، وهذا يعني أن له وظيفة القيادة والمتابعة المباشرة لرحلة السفينة، ووظيفة التجارة التي تتمثل في البيع والشراء وكيفية التعامل في الموانئ، وما ينبغي أن تحمله أو ترفضه، وما أوضحته الرواية أن الربان عبدالله بن حمود التوانقي هو الربان وصاحب السفينة ومالكها، وقد أخذ المهنة من أبيه بتشجيع من نزنجي الذي كان مع أبيه، وهنا لذلك تعينه التجارب والخبرة وقراءة الواقع المؤلم وسط البحار وتلاطم الأمواج، وهذا ما أكده حدسه، أي حدس الربان عبدالله حمد التوانقي، الذي بدأت مخاوفه تتأكد بتأكد حدسه تجاه البحر، وذلك من خلال الطقس ما حمله من عواصف وأمطار، وما نتج عن كل هذا فقد أحبته البحارة وموتهم في البحر، وتعرض وجهه هو شخصيًا إلى الحروق، فضلاً عن فقد مساعديه (جبّار ومطلق)، ويوكد أن ما حدث لهم نتيجة لعنة صاحبتهم منذ خروجهم من أفريقيا.

وما حدث إلى السفينة جعل الفتية الذين أخذوهم من أفريقيا، وقيدوهم، يعيشون في هلع وخوف لهول ما كان يجري على ظهر السفينة، وغرقها، ونجاة من استطاع مواجهة هذه المحنة العصيبة، وهنا من فقد حياته وانتهى دوره، وهناك أيضًا من صارع الموت والهلع والخوف والموت من أجل البقاء وهو يحمل بين ضلوعه وأعضاء جسده آهات الألم. والملفت أيضًا حديث الرواية عن الجندي ماثيو الذي حدث نفسه بأمر غير طبيعي، وبل فيه الاستغراب، وهو حين تحركت بالبارجة فيكتوريا نحو بحر العرب قادمة من جزر سيشل، ولأن ماثيو مهتم بدراسة الطيور وهجرتها عبر الأمكنة لفت نظره تلك النوارس التي كانت تحلق في منطقة ليست يابسة، وهذا يعني أن هناك أمرًا خطيرًا في البحر، " حاول تخمين سبب تحليقها في الجهة الشمالية من وجهتهم، ودفعه تيقنه من وجود شيء ما يطفوا إلى أن توجه لقبطان السفينة بردلي جونسون وإخباره بشكوكه ... "(10)، وحين الكشف والتقصي عرف مَنْ كان مِن الجنود والبحارة المتواجدين على ظهر سفينة فيكتوريا أن سفينة تحطمت على بعد أميال، لذلك تفاجأوا عندما وصلوا إليها، " لم يصدق البحارة العسكريون بمن فيهم (ماثيو) ما رأوه، سفينة تجارية كبيرة، تبدو كأنها قد تعرضت لقصف مدفعية "(11)، وعندها أمر القبطان أن تسجل كل شيء سواء من الجثث والخسائر المادية (البضائع والحمولات) وكذلك المصابين، بل الملفت للنظر أن النوارس حينما حلقت لم يعنِ تحليقها طلب المساعدة والنجاة، وكأن هناك ربط بين تحطم السفينة وتحليق النوارس، وإنما هذا التحليق تعبير عن فرحها بوجود غذاء متوافر لها المتمثل في نقر الجثث.

رسم تصويري لغرق سفينة عبدالله التوانقي، ونشوب الحريق فيها بعد ما أطلق شير محمد النار على براميل الكيروسين وهم على مقربة من ميناء مسقط


وبحسب التخصص فقد أسرع الطباخ الإنجليزي متجولاً داخل السفينة المحطمة ليرى بعض الأجساد التي لاتزال لديها الحركة ولتنفس، ولكنها لا تستطيع لشدة الألم والخوف، وهي تلك الأجساد المهربة التي أخذت من أفريقيا كعبيد ورقيق، بغية بيعها على اليابسة، وهؤلاء، هم: نوانجي – موانتي – آتور – كنجي – مسالمي. وفضلاً عن تجارة الرقيق، هناك – كما شك الطباخ – في تهريب البضائع وليس البشر فحسب، وبعد مساعدة البارجة الإنجليزية (فيكتوريا) تم نقل الأفراد المصابين والذين لايزالون على قيد الحياة إليها، وقد قام طبيب البارجة بعلاجهم، أما الجثث فقد رميت في عرض البحر، وهو ما تقتضيه قوانين البحر، إذ يتم ربط الجثة بسلسلة وأثقال ثم ترمى في عرض البحر، " فيكتوريا سفينة غير مهيأ لشحن الموتى ونقلهم، كما أن هؤلاء الموتى ليسوا سوى أرواح سريعة النسيان، وكان جازمًا في ذلك: مجموعة من تجار العبيد، والعبيد نسيتهم قبائلهم؛ لذلك جاء قراره بالصلاة عليهم، وبرطهم بسلاسل يمكن الاستغناء عنها، وبحبال الأشرعة، وشدهم إلى أثقال تسمح لهم بالوصول إلى قاع المحيط، فتغادر أرواحهم إلى حيث تريد متحررة من تعب الحياة "(12).

وقبل وصول البارجة فيكتوريا إلى ميناء مسقط، سبقتها برقية تشير إلى أمر ما في البارجة، وينبغي الاستعداد لاستقبالها، لذلك حين أطلقت أبواقها معلنة وصولها " تراكض على إثرها العمال، واستعد المسعفون الإنجليز، وتجمع حشد من العمانيين والعديد من الهنود والبلوش والكتبة والحرس التابعين للسلطان لرصد هذا النداء، ومعرفة تفاصيل الحدث الجلل "(13)، ولا غرابة تعدد هذه الجنسيات في عمان، فهي أرض سكنتها العديد من الحضارات والأقوام، وها هي الدكتورة علياء يحيى الجبيلي تقول: " كانت عمان منذ القدم، مقر كثير من الأمم التي أوجدها الله في الأرض، وأوائل من سكنها السومريون، وكانوا يطلقون عليها في لوحاتهم (مجان)، ثم جاء الكلدانيون، وكانوا يسمونها (أبيليـا)، ثم الفـرس، ثم جـاء قـوم عـاد، ثم الفينيقيـون، ثم الآشوريون، ثم البابليـون، وتوالـت الأمم عليها، حتى عادت للفرس، ثم جاءت قبيلة الأزد، وسكنتها بعد هجرتها من اليمن "(14). بل سلطة عمان لم تقف عند حدودهـا الجغرافيـة، وإنما اتسعـت شرقـًا وغربـًا، إذ امتـدت الإمبراطوريـة العمانية إلى زنجبـار في أفريقيـا، وإلـى الجهة الشرقية من ساحل الخليج، إذ هناك سلطان عماني في غوادر، حيث وضح ذلك من خلال حوار بين سردار ويوسف " يعيش السلطان هناك في تلك القلعة المضاءة بالقناديل .. أي سلطان؟ .. السلطان العماني الذي يحكم غوادر "(15).

الروائي فريد رمضان برفقة حميد كريمي أثناء جولات التدوين الخاصة برواية المحيط الإنجليزي في سلطنة عمان 2014

برز الاهتمام بالتعليم، وتقديم خدمة المعرفة الذهنية والمهنية، إذ حوّل الأب بيتر زويمر الإسطبل إلى مدرسة تعنى بأولاد العبيد المحررين، وعلى الرغم من إنشاء المدرسة، فإن عقبة التفاهم مع الأولاد بات صعبًا، وهنا يحضر نزنجي والأب بيتر في المدرسة، وحين عرض الأب على نزنجي العمل كمترجم بينه وبين الأولاد رفضوا ذلك لأن نزنجي هو من كان قابضًا عليهم طوال رحلتهم في السفينة، بل هو صائدهم وسجانهم، عدا موانتي التي أشارت أنها هي من زغبت في العمل ولم تكن مجبرة من أحد غير ظرفها الأسري، ذلك الظرف التي تحدثت عنه إلى الأب بيتر زويمر، بأنها هربت من منزلها نتيجة معاملة زوج أمها لها غير الإنسانية، هامت بنفسها بين الطرقات وعند عتبات أبواب المساجد والكنائس والعابد، وجاعت وتلظت جوعًا وبات جسدها يبث رائحة كريهة بسبب عدم الاستحمام، حتى تعثر بها رجل أعمى، قادها إلى كوخه ليطلب منها أن ترويه بجسدها، فإن كانت هي ظمى وتريد ماء، فهو ظمآن وارتواؤه يكون عن طري جسدها، هكذا مارس معها الجنس، ومهرها بعض النقود التي توصلها إلى الميناء(16).

وفي خضم العمل داخل المدرسة وتحت متابعة مباشرة من مباندا (العبد)، الذي كان يأمرهم بالصلاة في الكنسية الصغيرة التي شيدت لهم في فناء المدرسة، وبالطبع كانت صورة السيد المسيح عليه السلام معلقة مما أثار فضول أتور الذي فاجأهم بسؤاله: " هل كان سيدنا المسيح عبدًا حتى يقيد؟ استنكر مباندا، وعتبت عليه موانتي، وضحكت من سؤاله نواتي، أما مسالمي وكنجي فقد آخذاه بعيدًا وأخبراه أن العبيد أبناء الرب، مثلهم مثل بقية الخلق، وإنه قُيّد ليخلص العالم من عذاباته، فـرد عليهـم أتور: من أي خلاص تتحدثون، إن كنا مازلنا نعاني ونتعذب، تركهم وأصبح يرفض دخول الكنسية، وناهض فكرة إن الحياة تسكن في الماء المقدس "(17). وفي الوقت الذي نؤمن فيه أن الأطفال يثيرون العديد من الأسئلة التي تعبر عن دهشتهم، وهذا ما ظهر على أتور، ولكن أن تصاغ مفردات الدهشة بهذه اللغـة وهذا السبـك، فإنه لم يكن مقنعًا، وبخاصـة مقارنته بالمعانـاة، والرفض الذي أعلنـه بعـدم دخولـه الكنسية.

وهذا الرفض لا يأتي إلا من خلال تحليل فكري ومعرفي تجاه الدين والحياة والإنسان، لذلك أعتقد هنا مبالغة لم تنصف الحدث السردي والحواري، ولكن هل مدرسة أولاد العبيد المحررين حررتهم من عبوديتهم، أم بقوا عبيدًا حتى كبروا وتفرقوا، بدليل إصرار جيكوب على أخذ صك تحرره من العبودية، لذلك أشار الأب بيتر القائم بدور التبشير في المنطقة، بأن هذه المدرسة لم تحرر الأولاد من عبوديتهم، لأنها حررت القيد الذي كان يشكل علامة من علامة الرق، ولكن وضعنا عليهم أصفاد أخرى حين أوكلنا لأنسفنا تعليمهم الدين المسيحي وما يرتبط به، بل حتى أسماءهم استبدلناها بغيرها، لذلك لا غرابة أن يطرح أتور (إستيفان) العديد من الأسئلة التي تفوح منها رائحة الشك، ولا غرابة أن يتحول مباندا (جيكوب) إلى الدين الإسلامي.

فتح يوسف الصرة وحين لاحظ أوراقًا ملفوفة حاول فكها لتقع عينه علي بعض الخطابات والرسائل المكتوب بعضها باللغة العربية والفارسية ولغة لم يحسن يوسف معرفتها، وأسماء بعض الشخصيات التي كانت على معرفة وطيدة بمولانا رشيد حمدان، أغلق الصرة ومن هول ما هو فيه أراد الخروج متجهًا إلى بيت والده، لكن كيف يعرف الطريق وهو يجهله، لذلك كانت الصدفة قادته إلى مكان آخر، فحين التقى برجل راكبًا بغلة ، إنه سردار الذي عرف أن سقر محاصرة وابن الشيخ ورجاله فعلوا ما فعلوا في القرية : " قُتل شيخها، وذُبح شيبها وشبابها، وسبيت نساؤها وفتياتها من قبل ابن الشيخ وأتباعه، وقد أعلن نفسه فهرسًا على القرية "(18)، سار سردار بيوسف إلى مضيف المسافرين الكائن بين جبلين، تبين أنه ذلك المكان الذي توقف عنده رشيد حمدان، وتزوج من زينب بنت صاحب المضيف (سليم)، " وما أن أخبره سردار أنني من قرية سقر، حتى وقفت امرأة تسترق السمع لحديثنا، وقالت: أنت يوسف ابن حائرة، ومولانا هو من سماك! ثم جلست تحكي حتى تذكرت أنها زينب زوجة مولانا رشيد حمدان التي غادرت القرية بعد وفاة مولانا، وانقضاء عدتها "(19)، ولكن في الليل وقبيل الفجر هجم بعض قطاع الطرق وفعلوا أفعالهم تجاه هذه العائلة المسكينة التي تعيش على ما يقدمه المارون والراغبون في الاستراحة بعض يوم أو عدد من الساعات، لكن هذه الجماعة قيدت البعض وتركت البعض الآخر، غير أن مشادة حدثت بين الطرفين، حتى قالت زينب: " ستحرق في ماء، وتموت في ماء "(20).

ومع استمرار المكوث مع العصابة تكشفت حالة (مهديم) الذي اعتقدت العصابة أنه بنت بسبب شكله وصوته وغنجه، إلا أن زوجة شير محمد (كولي) كشفت هذا الصبي حين أخذته إلى الكنيف للتبول، وهناك عرفت تكوينه الجنسوي، بعدها بات شير محمد يقرب هذا اللام إليه، وكلما أقيمت حلقات السمر والغناء الصوفي اشتد هذا الزعيم إلى الصب حتى جاء اليوم الذي أعلن أنه سيتزوجه، وهنا بدا الاستغراب من الجميع حيث الإسلام لا يقر مثل هذه الزيجات، " وقالت كولى: سبب ذلك عبورنا بوادي العجوز الأسطوري الذي يتزوج فيه الأخ أخته، وينام الأب مع ابنته، وتنام الأم مع ابنها .. "(21)، وهنا إشارة أخرى إلى بعض المعتقدات والميثولوجيا التي يؤمن بها بعض فئات المجتمع كما هو في هذه المناطق التي تتوسط بين الهند وباكستان وبلوشستان، وكأن المثلية المنتشرة في يومنا هذا لم تكن جديدة في التراث الإنساني، وإنما هي عادة موجودة عند بعض القبائل أو الشعوب أو الفئات، وبخاصة لو رجعنا إلى التاريخ وحقبه الزمنية سنجد هناك العديد من الأمراء أو رجالات الدولة لديهم الإماء والولدان (الغلمان)، وفي العصر الحديث هناك بعض الرجال الميسورين لديهم فتية خاصة بهم يسمى (خويّه).

وكان حارب الذي تحول إلى المسيحية يعتقد أن له قرينًا لازال على الدين الإسلامي، وهذا ما ظهر حين سئل حارب نفسه عن الكعبة، فأجاب أن هذه الممارسات ليس من دين محمد، وإنما من دين إبراهيم، وهنا لا الجميع ما حدث لحارب وصارعه بين ذاته وما يعتقد من وجود القرين، " هذا من دين إبراهيم، وليس له علاقة بدين محمد. عندها استيقظ القرين، ودفع حارب بقوة نحو الجدار، وأمسك برقبته وشد عليها محاولاً خنقه .. كانوا يستمعون لصوتين مختلفين يصدران من حارب، الأول ينتصر للكنيسة، والآخر للمسجد "(22). أما ماثيو المعتمد على العقل والتحليل والعلم، فقد " أيقن أن حالة حارب تشبه انفصام الشخصية، وتعذيب النفس حتى الموت "(23)، لذلك حين توفي الأب بيتر، وجاء الضباط والمحققون وقاموا باحتجاز من كان في المكان (المدرسة والكنسية) للتحقيق معهم، وبعد أسبوعين أفرج عنهم باستثناء " حارب الذي سلمه الإنجليز لحراس السلطان، والذين أودعوه قلعة سان لوران المطلة على البحر لاعتقادهم بإصابته بلوثة في عقله "(24).

وبحكم الثقافة السائدة للمكان، وطبيعة التعامل مع الاتجار بالبشر، فهناك أسواق للبيع، إذ بينت الرواية وجود مكان في مطرح، وعند أحد أبواب الكعبة، وبالطبع هناك العديد منها التي كان يطلق عليها بسوق النخاسة، هكذا في سوق مطرح بيع الأولاد والشباب والفتيات، إذ يقول يوسف بن عبدالله الأعمى يقول: " وشهدت بيع من كان معي من الأولاد والشباب من البلوش والأفارقة، كنا نودع بعضنا البعض نظرة خاطفة بالعين، ولم يسمحوا لنا بالمصافحة أو التحدث "(25)، أما من يتبقى من الذين لم يباعوا فيعاد بهم حتى اليوم التالي، وهكذا، ولكن حين جاء دور بيع فاطمة بعد إعادة صحتها وقدرتها على العمل، خاف يوسف أن تكون بعيدة عنه، في الوقت الذي يفكر أن تكون زوجة المستقبل، من هنا بدأ يذهب كل يوم إلى بيت سيدها، والوقوف عنده، ولكن قبل هذا توجه ومعه الأمانة والصرة إلى المقبرة، وفي أثناء وجوده رأى طائرًا يحلق، فقال: " أمعنت النظر في الطائر وهو يحوم بشكل دائري فوق المقبرة، حتى أيقنت أنه بشر وليس من مخلوقات السماء الطيارة! عندها جاءني الصوت رهيفًا وخفيفًا: لا تخف يا يوسف ولا تجزع سنثبت فؤادك. قد أنبأناك من قبل، ترمى في جب وتخرج من جب، ونذكرك: تنطق بلغة القرآن. وتعبر البلاد مدلولاً ومهانًا، ويسألك عن تراب سقر، فقل هي من أمر ربي "(26)، وهنا ما علاقة هذا الاسم الحكاية ولغة السرد بقصة النبي يوسف عليه السلام الذي رمي في الجب، وأخرج من الجب، وبيع في مكان غير مكانه، ثم يصبح ما أصبح من مكانة عالية، وكل هذا من أمر ربي!!! وحين جاءت فرصة البيع، بيعت فاطمة ولم يبع يوسف، ولكن ترك في الأرض لا هو عبد مملوك، ولا هو حر، وهنا حاول السير متخفيًا وراء الرجل العماني الذي اشترى فاطمة.

وحين طلب منه ثابت بن جارم الذهاب إلى البحرين وتسليم الأمانة إلى مايك، وافق على مضض، وعزم على ذلك مع فاطمة التي تزوج بها وهما على ظهر السفينة، وعند وصوله إلى ميناء المنامة أخذ يصف يوسف بعضًا مما رآه عند رسو السفينة لتلك المباني والبساتين، والقوارب الصغيرة التي ما أن بدأت السفينة تقترب من الميناء حتى بدأ راكبو هذه القوارب يعرضون تقديم المساعدة والعمل، وحين نزل يوسف وفاطمة من السفينة فكر في العودة إلى سقر، لكن لم يستطع، وبخاصة أنه لا يملك أجر العودة، وهو في هذه الأثناء رأى " عتالاً يدفع عربته وفوقها شاب أفريقي مربوع الجسد مقيد اليدين والرجلين، والناس في هرج ومرج تردد خبر اندلاع نزاع جديد بين العجم والنجديين "(27)، ولكن عرف يوسف بعد ذلك أن هذا الأفريقي الذي قيل أنه نصراني عوقب بسبب ذهابه إلى المسجد، وهنا تنبري إشكالية الحرية التي تنادي بها بريطانيا أو أمريكا المتعلقة بالدين أو أية هوية كانت، لذلك تكشف الأحداث بعد ذلك أن السبب ليس ما ذكر هنا، وإنما هناك أسباب أخرى.

وقد عرف يوسف السبب الأول غير المقنع من شاب كان يقف بجانبه إذ قال له: " نحن أصحاب ونعمل معًا عن شيخ في المحرق. أنا مسلم وهو نصراني، وصلت أخباره إلى دار الاعتماد البريطانية أنه يذهب إلى المسجد فاستدعوه وخيّروه بين الإسلام والمسيحية "(28)، وبهذا المنطق الذي لا يتوافق وطريقة التعامل مع الشاب الأفريقي عرف يوسف فيما بعد تفاصيل القصة ليقف عن مسألة أخرى، هي: أن الشاب أحب ممرضة في الإرسالية الأمريكية (روث)، ورغب في الزواج منها، وهذا ما نتج عنه تلك المعاملة، وهنا يأتي السؤال، فطالما عملت بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية على منع الرق والعبيد، وعدم الوقوف عند هوية اللون أو الجنس أو الديانة كما أكدها ذلك الأب بيتر حين أسس مدرسة لأولاد العبيد المحررين، وتعامل مع الأفارقة بالحسنى وبتعاليم الدين المسيحي، فلماذا تقوم الإرسالية بهذا الفعل في التهجير إلى عمان مرة أخرى؟

وفي الوقت الذي كانت مهنة (روث) من قبل الإرسالية الأمريكية سواء في التمريض أم في التدريس، فلا غرابة أن تكون إحدى التبشيريات في المنطقة، وبخاصة أن أوروبا كانت تعمل بجد وإخلاص عبر مؤسساتها المختلفة لتنصير أكبر عدد من أبناء المنطقة، لذلك طرحت الرواية هذه المسألة المهمة جدًا ذات العلاقة بالتبشيريين، وقد عمد الأب بيتر زويمر إلى كتابة اليوميات التي تتناول كل شيء في المنطقة، وكيفية التأثير على الناس وتنصيرهم، وما كتبه أرسل إلى البحرين ثم إلى أمريكا، وحيث أنشأت جامعة كولوميبا الدولية في ولاية كارولينا الجنوبية مركزًا للدراسات الإسلامية، واتخذت الصندوق باكورة العمل في المركز، وقد بينت الأوراق والمستندات والوثائق كيفية التعرف على المنطقة من خلال " عاداتهم، وأمراضهم، وأخلاقهم، وسلوكهم، وعيوبهم، وطيبتهم، وغبائهم، وفطرتهم، وطرائق تعبدهم، وإمكانية التأثير عليهم، وتنصيرهم، والعديد من الحكايات، وجداول المصروفات، والتبرعات، والترانيم، والأيقونات "(29).

والرفض من قبل الأب الدكتور صموئيل ارتباط روث بمايك، أكدته شريفة الأمريكانية في مذكراتها بطريقة أخرى في سياق آخر، وضمن دور الممرضات والعاملات في مستشفى الإرسالية، أو تلك الأمكنة التابعة للإرسالية المدرسة أو الكنسية أو المكتبة، والتي جاء ذكرها (شريفة الأمريكانية) عرضًا حين كشفت على رشيد بن يوسف بن عبدالله الأعمى (البولشستاني)، غير أن محاولات الأطباء والمسعفين باءت بالفشل، إذ مات رشيد، إذ قالت فيما يتعلق بالتبشير والخدمة التمريضية قبل الوصول إلى المنطقة، " لم تفصح السيدة (كوت) عن جميع ما كان يدور في خاطرها، إلا أننا فهمنا ضمنًا بأن الإرسالية لا تحبذ أن تنساق إحدانا وراء مشاعرها، وتتعرف بأحد الشباب في الجزيرة العربية، وتتزوج به، وتنسى مهمتها الأساسية في خدمة الإرسالية "(30)، ولكن لا نعلم إن كانت (روث) التي ذكرت في الرواية هي نفسها إحدى صديقات كورنيلا د النبرج (شريفة الأمريكانية) أم هي شخصية أخرى شكلها الروائي بناء على تلك الأسماء من الذين عملوا في الإرسالية الأمريكية آنذاك.


وكما هو معروف فإن من أهداف وجود الإرسالية الأمريكية في منطقة الخليج ليس إنشاء المستشفيات والعلاج والتطبيب، أو إنشاء المدارس لتعليم القراءة والكتابة واللغة، وإنما هذه مداخل مهمة من أجل هدف يعتبر من الأهداف السامية لها، وهو التبشير بالدين المسيحي، حيث قام عدد من المهتمين بالتبشير والدعوة إلى دخول الدين المسيحي، وهم: " الدكتور لا نسنج، وثلاثة من مساعديه، هم: جميس كانتين، وصموئيل زويمر، وفيليب فيليبس، وأوضح صموئيل الهدف هو دفع جميع بني الإنسان ليصبحوا أتباعًا للسيد المسيح "(31)، وجاء البدء بهذه المهمة بعد ما فكر هؤلاء وغيرهم في مكانة لدول الغربية وانتشار سلطتها وقوتها في المنطقة العربية، وتحديدًا بلاد الشام والعراق والمنطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية، لذلك بدأت الرحلة من أوروبا إلى بيروت في نهاية القرن التاسع عشر، ثم البصرة، ثم البحرين، ثم مسقط، ثم الكويت، فضلاً عن المحطات الصغيرة والفرعية في بعض مناطق العراق وعمان، وهو الذي يؤكد أن " ليس الدين مجرد ماورائيات على الاطلاق، فبالنسبة إلى كل الشعوب هناك روح من الجدية الأخلاقية العميقة مبثوثة في أشكال الأفعال العبادية ووسائطها وأهدافها، فحيثما المقدّس، فهو يحمل في داخله إحساسًا بالالتزام الداخلي، وهو ليس فقط يشجع التديّن، بل يتطلبه، وهو ليس فقط يستثير الموافقة الفكرية، بل هو يفرض الالتزام العاطفي أيضًا "(32).

وإذا تناولت الرواية دور الأب بيتر في مسقط، وإنشاء مدرسة تخص العبيد، تلك التي ذكرت في المصادر بأسماء: مدرسة العبيد المحررين للبنين، ومدرسة الرقيق المحررين، أو كما ذكرت في الرواية، فإن الهدف والمعنى واحد، حيث " افتتح القس بيتر زويمر مدرسة للبنين في مسقط، وعهد إليه بثمانية عشر تلميذًا في بادئ الأمر، وسميت هذه المدرسة باسم مدرسة الرقيق المحررين، لأنها أسست في البداية لتعليم أطفال العبيد، ورعايتهم من أجل تحويلهم إلى الدين المسيحي "(33). الأمر الذي اختصره الكاتب في تلك الأطفال والفتية الذين أنقذوهم من الغرق، وهنا يتأكد ما ذهب إليه فريد رمضان أن الأطفال وإن كانوا من أفريقيا فإن المدرسة كانت تضم بين جدرانها أطفالاً من أماكن مختلفة، لذلك " كانت لغات هؤلاء الأطفال تتنوع بين البلوشية والسواحلية والهندوستانية والفارسية والعربية "(34)، بل دور الأب بيتر يتعدد لخارج المدرسة، فهو يسافر في جولات لبعض قرى عمان الكائنة بين الجبال والوديان والتلال البركانية مع مساعده العماني حارب على الدواب حاملين معهما " الصناديق المكتنزة بالكتب والكراريس المسيحية والعقاقير الطبية، و لتقديم المواعظ الدينية، وبيع الكتب والكراريس، وتقديم العلاج المجاني "(35).

وبهذا نرى الروائي أتقن فن الربط بين التاريخ والسرد التخيلي ليجعل القارئ لا يفرق بين ما هو الواقع المعيش آنذاك وبين ما هو من خيال الكاتب، إذ تمكن من الربط بين شخصية الأب بيتر ودوره التبشيري والإصلاحي والتعليمي، منذ قدومه المنطقة، فهو كان يعمل في الإرسالية الأمريكية العاملة في منطقة الخليج، وانتهى به الأمر ليكون في مسقط بعد ما مكث في البصرة والعمارة بالعراق، وحينما رفض سلطان النوم الحضور إليه، وهو مستلق على سريره الخشبي بمنزله المطل على ميناء مسقط، فكر في إنشاء مدرسة لأولاد العبيد المحررين، وبخاصة بعد سماعه عن غرق سفينة تاجر عربي، لكن ما أثار المبشر الأب بيتر زويمر حال الأطفال المسروقين والمخطوفين من أفريقيا ليكون على متن سفينة الربان العربي، فيقول في نفسه: " أطفال انتزعوا من تيه أفريقيا، ووجدوا أنفسهم في متاهة على أرض العرب .. كيف يمكن للرب أن يكرمهم وهم يحملون لعنة لونهم؟ وهل بمقدورهم تدبر أمرهم وفي روحهم المتخفية خلف الجزع والخوف حكايات لا يمكن اكتشافها بسهولة؟ "(36)، وهنا يتكشف البعد الإنساني لدى الأب بيتر، ومدى تعامله مع الآخرين أيًا كانوا، وهذا ما جعله يطلب من مساعده العماني (حارب) استدعاء زوجته (مزنة)، لرعاية الطفل (أتور) والفتاتين في منزلهما، وتبقى الذكور في مزل الإرسالية، بل بصفته أبًا روحانيًا، طلب من إمام مسلم الصلاة على الموتى ودفنهم في مقبرة المسافرين، إذ طلب من حارب " بمعية إمام مسلم الصلاة على جثث الذين قضوا، وأوصى العمال بحملها ودفنها في مقبرة المسافرين مجهولي الهوية، المخصصة لغرباء ماتوا فوق سفنهم أو لمن ألقي به على الشاطئ بسبب رضه المميت ريثما ينجز قابض الأرواح عمله "(37).

وتؤكد أحداث الرواية أن ما حدث للسفن البحرينية وهي في عرض البحر إلى الغرق، هو حالة غيرت مجرى الحياة في البحرين لمدة من الزمن، حيث كل من كان يسكن في البحرين بعيدًا عن هويته دخل في حزن كبير واجتاحته مرارة الموقف ألم المجتمع، إذ " بكى تجار فارس والبحارنة والنجديون والعرب والعجم والهولة والهنود والبهرة، بكى الحدادة والصاغة والحائكون والقلافون والعطارون والفلاحون والنجارون والبناؤون والنساجون، سميت هذه الفجيعة بسنة الطبعة "(38)، أما تاريخ هذه الحادث المؤلم الذي حفر في الذاكرة الاجتماعية الخليجية، وظل حتى يومنا هذا، إذ وقع الحادث الذي وقع في 28 سبتمبر 1925 الموافق هجريًا 13 ربيع الأول من العام 1346، ويقال في الأول من أكتوبر - وأعتقد أن التاريخين لا فرق بينهما - إذ يقال أن سفن الغوص لأهل البحرين كانت في هير أي مغاص شتيّة بسبب مساحة المكان والموقع المتميز، استعدادًا للعودة الذي يصادف بدابة أكتوبر، " فما أن أبحرت السفن من شواطئ البحرين مع بدء موسم صيد اللؤلؤ حتى ضربت موجة من الرياح القوية محيط الخليج العربي في الأول من أكتوبر عام 1925، وبالتحديد في الساعة 7:26 دقيقة مساء، مما أدى إلى خروج الكثير من السفن عن مسارها، وتسبب في خسائر هائلة في الأرواح والسفن، وقد ذكر الدكتور بندركار هندي الجنسية أن عدد الوفيات كان يقدر بخمسة آلاف شخص "(39)، وتبقى الحادثة بين أخذ ورد، بين هل كانت السفن ذاهبة لعرض البحر، أم قادمة بعد رحلتها، ولكن أيًا كان هذا، فإن الكارثة صعقت المجتمع الخليجي بأكمله.

أما الغواصون فلهم أغانيهم وأهازيجهم، مثل: (السابعة والبرد كايد .... تجلب الغواص من أقصى البعايد)، وتقال هذه حينما يتم الإعلان عن المغادرة والمجيء إلى أرض الوطن حيث يبدأ النهامة في الغناء فتعم الفرحة قلوب كل من على السفن حالمة في لقاء أهلها وأحبتها ومن يعز عليها وأفراد المجتمع، ولكن القدر كان على غير ما حلموا به هؤلاء الذين قضوا مساء جميلاً مفعمًا بالغناء والسمر وتناول الطعام الشهي، وتعدد الأحلام والأمنيات حين يعودوا، في مقابل هذه الأحلام المنثورة على ظهور السفن، هناك أحلام نثرتها العائلات والأحبة على ساحل البحر وفي أمكنتهم، وقد عبر الشاعر علي عبدالله خليفة أجمل تعبير في قصيدة أنين الصواري حين قال عن أحلام من على اليابسة:

زغردي يا خالتي يا أم جاسم

زغردي قد عاد طراق المراسم

جهزي الحناء هاتِ الياسمين

هاك ماء الورد والعود الثمين

عطري البشت وأعطيني الخواتم

طافت البشرى بأهل الحي .. قومي

واتركِ عنك تعلات الهموم

قد سمعت الكل في الأسياف يحكي

عن شراع في المدى اجتاز اختبارات المحك

لا تبالي الموج أو لفح السموم

ساعديني، رتبي عني المساند

وانثري المشموم والأشواق في كل الجوانب

وأصيخي السمع (للهولو)

على الشطآن عائد "(40).

كما يقال أن السفن التي غرقت كانت من البحرين والكويت وقطر وعمان والسعودية، وعبر تاريخ هذه الحادثة ظهر الكثير من الحكايات وبعض البطولات سواء أكانت من الناجين أو من ذويهم أو من عامة الناس لما في هذه الحدث من فنتازيا كبرى وإمكانية بناء حكايات تؤلف على حكايات، وكذلك الشعراء الذين شحذهم خيالهم لينضموا القصائد، مثل: الشاعر راشد بن حركان من أهالي الدلم، والشاعر ناصر بن عبد الله بن كليب الكثيري، إلا أن السرد الخليجي لم يقف بالتفاصيل وقراءة هذه الحادثة الخليجية لتكون مادة لرواية، وما كتب عنها كان ضمن سرد روائي عام، أما في عالم رواية المحيط الإنجليزي فإن ما حدث إلى مسقط لم يكن في الحسبان، حيث ضرب إعصار قوي المدينة " ريح صرصر ضربت الجبال فتشظت حجرًا في الجهات الأربع "(41)، فأثرت على الإنسان والحيوان والنبات، وكل الموجودات حتى القوارب والسفن، وهناك من مات أو أصيب بعاهـة بسيطة أو دائمة، فهي كما وصفها ماثيو بالقول: " تصيب من تصيب، فتشج الرؤوس وتبقر البطون وتعمي العيون .. من إشعال السوق، وتفحم بعض المراكب الكبيرة والصغيرة، وانتشار الحرائق هنا وهناك نتيجة انفلات الحصى واحتكاكه بالأجسام "(42)، وهذا الحدث الذي وقع في العام 1910 يشابهه حدث وقع في المحيط الهند، فيقول عبدالله التوانقي: " ما حدث في ذلك الخريف من العام 1896 في المحيط الهندي هو بالضبط ما حصل في مدينته "(43)، وهنا إشارة إلى تحطم سفينته وخسارة تجارته.

ولجسامة الحدث الذي سمي فيما بعد بسنة الطبعة، أشارت إليه الرواية، وما حدث إلى البحارة والغواصين وهم في عرض البحر حينما هاج في ليلة شتائية بأمطارها الغزيرة والرعد الشديد والعواصف التي دمرت السفن وأماتت البحارة والغواصين، وتأكد ذلك حين " وصول سفن بخارية لشركة الهند الشرقية التي أفلتت من العاصفـة، واستطاع البحارة العاملـون على ظهـرها التقـاط جثـث بحارة وغواصين خرجوا بسفن ومراكب من البحرين والإحساء والقطيف والكويت "(44)، وباتت المنامة والمحرق أيامًا في بكاء وحزن كبيرين، وقد سميت هذه الفاجعة، وما حل بالمنطقة عامة والبحرين بخاصة، بسنة (الطبعة)، وهذا الحدث أشارت إليه رواية (بحر أخضر ولؤلؤ أحمر) ليوسف البنخليل أيضًا، بل ربما هناك بعض الأعمال في المنطقـة أشـارت حيـث كـل دول المنطقة لها علاقة بالبحر والسفـن واستخـراج اللـؤلـؤ، وما حـدث أثـر علـى المنطقة بأكملها.

ومن يعود إلى تاريخ المنطقة والبحث عن الكوارث المتنوعة التي حدثت في المنطقة سيجد الكثير منها، وقد بين الروائي بعض الحوادث، مثل: سنة الطبعة، وتلك الأمطار والإعصار الذي هبت مفاجأة على مسقط وأدت إلى موت ناثان، ودخول الأب بيتر في أزمة نفسية ربما عجلت في موته، كما أشارت الأحداث إلى تلك الأمطار الغزيرة التي هطلت على مكة، وكأنه طوفان، وما نتج عنها من خسائر بشرية ومادية هكذا كان يوسف الذي خرج مع أبيع يعقوب لصلاة الفجر ضاع في هذا الطوفان، وحين رآه جعفر (أدريان) معتليًا منبرًا حاول أن ينقذه من الطوفان فمد له عمامته التي كان متأزرًا بها وحين مسكها يوسف لم ير جعفرًا بل دخل في المياه، وبعد ما انقضى الطوفان وبدأت تظهر أرض الكعبة شاهدوا الطفل وقد اعتمر العمامة الخضراء، ومنذ تلك اللحظة بات يوسف بن يعقوب من الأشراف، لكن يعقوب وجعفر جرفتهما السيول وغزارة الأمطار فماتا ضحية ذلك.

أما رشيد حمدان فعاد إلى سقر بعد ما أخذ العلم والحكمة والمعرفة وهو في الكعبة، عاد حاملاً معه العلم وأحمال أخرى وضعت على ظهور البغال التي لم تتمكن من مواصلة مسيرها حتى سقر، حيث التعب وطول المسافة والأحمال أرهقها، وعرف رشيد حمدان هذا من خلال تتبرم البغال،" فأصاخ السمع لشكوى البغال، قبل أن يلحظ تمرد البغل المرقط بالحناء على السائس وخروجه عن سير القافلة، واندفاعه نحو جرف الوادي السحيق وانتحاره "(45)، وحين أراد الاستراحة من عناء السفر وقبل أن يصل إلى قريته سقر، أراح في مكان لرجل اسمه سليم ولديه ثلاثة أبناء متزوجين من أخوات ثلاث. وعند ما استقر في المكان قدم سليم ابنته لتكون زوجًا لرشيد، وقد رفض إلا أن البنت زينب التي سهرت على تقديم الراحة له قبل بها زوجًا سافرت معه بعد ذلك، من هنا سمي رشيد بمولانا رشيد حمدان.

والسؤال: إذا كان قد دفن رشيد حمدان في المغارة، وقد ذكر ذلك حين أحذ عبدالله الأعمى ابنه يوسف إليها، وهنا يعاد ذكرها، في الوقت الذي أشارت الرواية أيضًا أن رشيد حمدان طلب من زوجته الثانية (زينب) عند موته هي من تقوم بتغسيله وتكفينه ودفنه لوحدها، وبدون عابدين أيضًا، وقرب قبر زوجته الأولى (كولجان) ذلك المكان الذي ظهرت في النخلتان، فلماذا هذا الطلب، وبعيدًا عن عابدين؟ وهنا تتضح الرؤية، فحين وصل إستيفان (آتور) إلى سقر غير رشيد اسمه ليكون عابدين، حيث وضع حدًا لمن سيقال عن هذا الرجل وأصله ولونه وغير ذلك، وهنا حماية له، وعلى الرغم من احتضانه له طوال فترة تواجده في سقر، فإن رشيد حمدان رفض أن يكون عابدين ضمن من يغسله ويكفنه أو حتى حضوره في تشييع جناته ودفنه، مما يؤكد أنه ليس على الدين الإسلامي، لذلك أثار الخلاف حتى وصل إلى الرمي بالحجارة، وإطلاق النار عند قبر عابدين، ومصدر هذا الخلاف ما قاله أحد الرجال الذين ساهموا في تغسيل عابدين إذ عرف بعدم تطهيره، فهو أقلف، من هنا ثارت الثائرة بنبش القبر وإبعاده عن مقابر المسلمين، " فأعلن إمام المسجد أن ما قمنا به زندقة وإلحاد بدين الإسلام، وأن الرجل لم يكن على ديننا فلا يجوز دفنه في مقبرة المسلمين "(46)، وهنا تبقى حياته غامضة بالنسبة إلى آهالي القرية والمجتمع الذي عاش فيه، ولا يعرف كنه هذا الرجل إلا مولانا رشيد حمدان، وعبدالله الأعمى، وربما زوجة عبدالله، ولكن حين تم إطلاق الرصاصة على الشيخ مجيد خان، عرف أن ابنه هو من أطلق الرصاصة، يريد قتل أبيه، ليؤكد عبدالله الأعمى أن هذا الشاب من جماعة الدابة، وهو يرغب في الزعامة " إنه الفهرس .. إنهم حراس الدابة، ويؤمن بأحقيته في حكم القرية واستملاك الحجر المقدس .. "(47).



جورج جوردون لوريمر

وهنا يكشف الراوي أن الشيخ مجيد خان، وهو شيخ القرية والمسئول عنها، فهو ليس بصفة دينية، وإنما بصفة إدارية ومكانة اجتماعية، فهذا الاسم هو حقيقي في الواقع آنذاك، لأن جورج جوردون لوريمر صاحب كتاب دليل الخليج أشار إلى ذلك بالقول: " يحكم سقر حاليًا الأمير مجيد خان، ويلقب بالشيخ، وتمنحه شركة التلغراف البريطانية مبلغًا قيمته مئة روبية هندية في السنة نظير نصب أعمدة تلغراف تقع على خط القرية "(48)، وبمقتل مجيد خان بدأت الأحداث تأخذ مسارًا آخر، إذ تعرض له بين مولانا رشيد حمدان من تخريب وتفتيش وبحث عن أشياء يطلبها المخربون الذي يترأسهم نظير خان ابن الشيخ مجيد خان، وحين دخل يوسف بن عبدالله الأعمى أخذ بقوة يسألونه عن مكان أبيه، بعد ما نال منهم ضربًا وركلاً، إذ طلب منه نظير خان أن يخبر أباه بأن نظير خال يريد العهدة، وفي حال عدم الحول عليها سيقبر يوسف في مكان تلك الحفرة التي حفروها في حوش البيت بحثًا عما يظنون الحصول عليه، وبعد مقتل الشيخ مجيد خان بسلاح ابنه نظير خان، جاءت الناس لمبايعة الابن الأكبر سيف الدين خان من زوجة أخرى غير أم نظير خان، وقد منع الأخير كل عمل يشير إلى تنصيب أخيه، وعليه أعلن نظير أنه الفهرس أي الحاكم لهذه القرية. ولكن هذا أدى إلى مقتل العديد من الشباب واغتصاب الفتاة وخوزقة النساء، مما يكشف عن صراع على السلطة والجاه والمكان الاجتماعية القادمة من المنصب السياسي أو الاجتماعي أو الديني.

وفي طرف آخر من أحداث الرواية يأخذنا الكاتب إلى البحرين بين الحين والآخر ليخبرنا بحدث ما أو علاقة ما أو طبيعة معينة، هكذا بينت لنا الأحداث عمل فاطمة في بيت عبدالرحيم جمعة في غسيل ملابس النساء والفتيات، بعد ما فقدت زوجها ولا تعرف مصيره، الذي يقول عنه يوسف نفسه بعد ضربه من قبل رجال عبدالعزيز بن يحيى: " حملني رجال لا أعرفهم نحو صناديق وأعشاش وأكواخ خلف مقبرة البحارنة بنيت بعشوائية وبما تيسر لأصحابها من نفايات يرمي بها البحر كألواح من خشب وسعف نخيل ... "(49)، وهذه المنطقة هي السقية، ذلك المكان الذي يضم أناسًا فقراء ومحتاجين ويبحثون طوال يومهم عن لقمة العيش تحت أسقف بيوت متهالكة داخل على بعضها البعض، وكانت موجودة حتي نهاية الثمانينيات تقريبًا من القرن الماضي، وفي هذا المكان لا غاربة أن تجد السلوكيات غير السوية والممارسات الأخلاقية، وهذا ما كشفه يوسف عبدالله الأعمى حين استقبله رجل أعرج في الخمسين من عمره، أشار إليه بأن سالم هو من طلب منه رعايته.

وفي الوقت الذي تم استئجار عشة ليوسف من خلال سالم (مايك)، فإنه عرف وسمع ورأى ما يفعله هذا الأعرج الذي يسمى (محمد بخشاش) في الليل مع تلك المرأة التي يدّعي أنها زوجته، " وكنت كلما أغفو أم أهجع وأغيب في راحة أستيقظ على أصوات رجال أظن أنهم رجال سيدي عبدالعزيز قد عثروا عليّ، ولكنني كنت أرى رجالاً غرباء يتسللون بعد المغيب إلى مخدعها ويدفعون كورة ذلك لزوجها الذي يقف على باب العشة ويشرف على دخولهم .."(50)، بل هذا المكان عامة، وعند زوجة محمد بخشاش تحديدًا مكان يأتيه النساء من كل مكان، من القرى والمدن بحثًا عن ملاذًا آمنًا يحفظ لهم سمعتهن بعد ما لوثتها أفعالهن، تهرب " النساء والفتيات خوفًا من القتل بسبب حملهن بأجنة لم يستطعن التخلص منها أو تعرضهن لاغتصاب من محيط عائلتهن، أو بوهم الحب والخداع، أو دون سبب واضح سوى الغريزة الجنسية "(51).

وحاولت الرواية أن تضفي على الأحداث المأسوية بعض المرح والابتسامة، مثل: النكات والصفات التي تطلق على الأفراد في المجتمع، وهذا أمر يبدر في سياقه الاجتماعي مقبولا عرفًا ولكن في الحقيقة هو أمر غير مرغوب لما له من تبعات قد تصل إلى الإهانة أحيانًا، هناك من يطلق الألقاب على الأفراد منذ الولادة أو عند عمر الأطفال وهم يلعبون معًا في الشوارع والأزقة، لتستمر معه هذه التسمية أو هذا اللقب حتى مماته، كإن يقول: فلان (أبو رأس) فلان (السمكة) فلان (البقرة) وهكذا، وهو ما حدث إلى ابن يوسف فحين ولدت زوجته (فاطمة) برزت الصفات الجميلة لما كان يتصف بها، " قيل عند ولادته: عبدالله نور لشدة نوره وبياضه، وقيل: عبدالله عافية لشدة عافيته ومتنه، وقيل: عبدالله مليح لشدة جماله ووسامة طلته، وحين كبر نسي الجميع كل هذه الصفات الحسنة وأبقوا على لقب عبدالله العجلة حتى خروجه من البحرين "(52).

والسبب في ذلك لأن ولادته كانت في اليوم الذي ولدت فيه بقرة عبدالله بن يحيى. وفي حمل فاطمة الثاني فجاء بعد ما رأت الثور مع البقرتين الأخريين اللتين لم تحملا في المرة الأولى، هكذا حملت فاطمة لتلد لهما حائرة، وسميت بهذا الاسم على اسم أم يوسـف، لكن جوهـرة الخادمة في منـزل عبدالعزيـز أشاعت بأن فاطمـة تحمـل على رائحة جماع الثور بالبقرة، " تصاب فاطمة بالراش من الثور الأسود الأفطح، ويوسف غير قادر على نفخ بطنها .. "(53)، غير أن أوامر بيت عبدالعزيز بن يحيى لابد من تنفيذها، فحين طلب صاحب البيت من يوسف تزويجه بجوهرة لفتـرة وسيطلقها حين يأمـره بذلـك، لم يعارض على الرغـم من عدم موافقـة زوجته فاطمة، فـــ " صدور أوامـر الزواج من العبيـد والخـدم والإمـاء في حارة الفاضل والحـارات الغنية القريبة منـا كان أمـرًا شائعًا "(54)، وهذا ما أوضحه عبدالقادر القط حينما كان يتحدث عن الرواية المصرية في سياق الواقعية النقدية، فيقول: " أخذت المشكلات التي كانت تعتبر فردية من قبل تتجمع في صورة مشكلات طبقية نؤثر في جميع أفراد الطبقة الواحدة، وإن تعددت مظاهر بواعثها الادية "(55).

وفي خضم تلك المأساة التي عاشتها فاطمة وزوجها يوسف، حاول الأخير البحث عن زوجته وعائلته، فذهب إلى عبدالعزيز بن يحيى وضرب مرتين تبين بعد ذلك أنه طردهـم، وبيقيـن يوسف أن سيده صادق ذهب إلى الميناء، وهناك جاء صدفة صموئيل الأب والطبيب، ومعه شريفة الأمريكانية وعبدالله ابنه، فأخذ بعد علاجه من المستشفى إلى بيت عبدالرحيم جمعـة فالتئم شمل العائلة مرة أخرى، بل كلمـا حاول يوسف البحث عن عمل لم يجد، حتى عند عبدالرحيم جمعة الذي قال له: " لا استطيـع توظيفـك يا يوسف، امتعاض عبدالعزيز يحل على الجميع إن خرجنا عليه "(56)، وهذا يعني أن عبدالعزيز صاحب سطوة كبيرة ويد طولى على الجميع، وهو ما أكده يوسف بالقول: " عرفت بعد كل هذه السنوات أن لعبدالعزيز سلطانًا ونفوذًا يفوق سلطة أي أحد آخر، في منطقة يحكمها بقوانينه وقوته مع مجموعة من التجار النجديين وعرب فارس "(57).

لكن بعض الأحيان تخرج السيطرة من أصحاب القرار آنذاك سواء التجار أو المعنى بالقرار الأمني، وهذا ما بينته الرواية عبر ما حدث في البحرين بعام 1926، ومحاولة الشرطة الهندية دخول سوق المنامة وعليه لابد من إجراء أمني بغلق المحال التجارية، واتضح ذلك حين أعلم مدير الجمارك الإنجليزي يوسف ما حدث وهو " مجرد خلاف بين ضابط هندي وجندي بلوشي، دفع الثاني لإطلاق طلقتين، واحدة قتلت الهندي، والثانية جرحت بالخطأ أذن المعتمد البريطاني الذي عولج في مستشفى الإرسالية الأمريكية "(58)، ولكن الوقت الذي كانت المحال في سوق المنامة مغلقة يأتي رجل ذو بشرة سوداء ومعه نساء وعاملات وطفل صغير، طلب هذا الرجل من يوسف الاحتماء في الدكان حتى يأتي لهم من يأخذهم إلى المحرق لأنهم من عائلة الشيخ، وعندما كان مدير الجمارك يتحدث مع يوسف ظهر هذا الرجل الذي كان اسمه سالم، قال مدير الجمارك بتعال: " لماذا أنت هنا يا مايك؟ "()، لتعود بيوسف الذاكرة وما طلب منه ثابت بن جارم حمل رسالة إلى مايك.

-----------------------------------------------------------------


1 - القرآن الكريم، سورة القمر، آية: 47 – 48.

2- القرآن الكريم، سورة المدثر، آية: 27.

3- يمكن الرجوع إلى موقع (ويكيبيديا) لمعرفة المزيد في هذا الموضوع.

4- فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص11.

5 - علي أبا حسين، العلاقات التاريخية بين البحرين والهند، مجلة الوثيقة، ص71.

6 - علي أبا حسين، العلاقات التاريخية بين البحرين والهند، مجلة الوثيقة، ص84.

7 - علي أبا حسين، العلاقات التاريخية بين البحرين والهند، مجلة الوثيقة ، ص77.

8 - انظر: علي أبا حسين، العلاقات التاريخية بين البحرين والهند، مجلة الوثيقة، ص79.

9 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص11.

10 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص14.

11 - زوينة الكلباني، الجوهرة والقبطان، 2014.

12 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص23.

13 - - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص23.

14 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص28.

15 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص82.

16 - علياء بنت يحيى الجبيلي، الملاحة البحرية في عمان من صدر الإسلام حتى سقوط الدولة الأموية، مجلة الخليج للتاريخ والآثار، ص363.

17 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص150.

18 - انظر: فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص92.

19 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص94-95.

20 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص131.

21 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص131.

22 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص141.

23 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص149.

24- فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص184.

25 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص185.

26 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص201.

27 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص228.

28 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص229.

29 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص246.

30 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص246.

31 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص205.

32 - شريفة الأمريكانية، مذكرات شريفة الأمريكانية – قصة البثعة الأمريكية في البحرين 1922، ص33.

33 - عبدالمالك خلف التميمي، التبشير في منطقة الخليج العربي – دراسة في التاريخ الاجتماعي والسياسي، ص40.

34 - كليفورد غيرتز، تأويل الثقافات، ص289.

35 - عبدالمالك خلف التميمي، التبشير في منطقة الخليج العربي – دراسة في التاريخ الاجتماعي والسياسي، ص179-180.

36 - عبدالمالك خلف التميمي، التبشير في منطقة الخليج العربي – دراسة في التاريخ الاجتماعي والسياسي، ص180.

37 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص94.

38 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص83-84.

39 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص84.

40 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص260.

41 - عبدالعزيز يوسف حمزة، دموع على جزيرة – تأريخ لأبرز الكوارث التي شهدتها مملكة البحرين، ص24.

42 - علي عبدالله خليفة، أنين الصواري، ص35-36.

43 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص194.

44 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص196-197.

45- فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص196.

46 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص260.

47 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص69.

48 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص53.

49 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص54.

50 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص67.

51 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص351.

52 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص531

- 53 فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص352.

0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email