مفاهيم خاطئة في الحوار


لماذا يعتقد الآخرون أن الحوار المحتدم قد يمهد إلى اختلاف؟ ولماذا يخال البعض أن المناقشات المتباينة تفسد المصالح العامة؟! و لماذا يتجنبون الخوض في أي حوار معقد؟ أو يغضبون إذا ما خالفتهم الرأي !؟ أن السبب في اختلال مفهوم العلاقة بين المناقش والمناقشة والمحاور والقضية المطروحة وتبني الأفكار القديمة المتبناة من التعليم النظامي المتحلل حول مفهوم الحوار والنقاش.. أخذت بالمجتمع البشري إلى حافة السوء الذي جعل من عملية الحوار عملية غير مرغوبة أو عملية تصنف ضمن الإرهاب الفكري حيث يحاول الأفراد في المجتمع البشري التحلي بالفضائل وعدم الخوض في تفاصيلها أو تبني في المقابل نقيضها من التجاهل ، المجاملة والصمت. في هذه المقالة سنستعرض مفاهيم خاطئة تمارسها غالبية الأفراد على رأسهم كبار من المفكرين والمثقفين والمرموقين في سلك التعليم والعلوم.

اربط حزام الوعي حان ميعاد إقلاع الأفكار الخاطئة حول عملية النقاش من رأسك. *الشخصنة أثناء عملية الحوار:* ما هي الشخصنة في الحوار؟ هي الهجوم على الشخص الذي يتبنى القضية في الحوار بسبب ظروفه أو أفعاله أو أي شيء يتعلق بشخصيته ، وترويض هذا الهجوم ليكون دليلا ضد قضيته المطروحة. ما هي صور الشخصنة في الحوار؟ تمتد صور الشخصنة في الحوار إلى أبرز نقاط مهمة جداً تأتي في صورة مباشرة أو غير مباشرة.. الصورة المباشرة من خلال السب والقذف وإهانة وتحجيم الشخص الذي يطرح الدعوى. الصور غير المباشرة هي استخدام الأدلة والشواهد في عملية الشخصنة وأبرزها: -استخدام الندّية- كمثال: نظرية التطور خاطئة لأن داروين كان متأثرا بوفاة ابنته فعادى الدين ثم أعلن نظريته. إن محاولة استخدام الندّية في الحوار لا تعني صحة أن الفرضية التي يطرحها داروين قد تكون خاطئة.. فالدعوى التي تبناها داروين في نظريته مدعومة بأدلة علمية لا دخل لها بحياة داروين الشخصية. لهذا فمحاولة الابتعاد عن محور الأصل من الدعوة (نظرية التطور ومناقشتها وضحتها) وتجاوزها نحو حياة داروين الشخصية هي أحد صور الشخصنة في عملية النقاش. -الشخصنة الظرفية- مثال: حسن لا يذهب إلى المسجد .. إذن لا يحق لحسن نقد مظاهر الفساد في الدين الإسلامي. في الواقع عدمية ارتياد حسن المسجد لا تعني بالضرورة أن الدعوى التي يطرحها في الحوار دعوة خاطئة تماماً. -شخصنة الارتباط:- مثال: ماجد ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وأنا ليبرالي التوجه.. إذن دعوة ماجد دعوة خاطئة تماما. ارتباط ماجد بجماعة الأخوان قد لا تنفي صحة القضية التي يطرحها على مائدة الحوار. *لا بد أن نصل إلى نتيجة:* إن كل عملية حوار يجب أن تنتهي بنتيجة واحدة.. وإن هذه النتيجة على كافة الأطراف في دائرة النقاش تقبلها. هذه أكبر المفاهيم الخاطئة سذاجة.. والتي تؤثر بشكل كبير على عملية الفهم واستيعاب القضايا المطروحة وعرقلة العملية الفكرية عند الأفراد. إن الفرد يمكن أن يفكر بخصوص الطرح ويستخدم أفكاراً معينة للتعامل بشكل كاف ومفهوم مع القضايا أو الحالات المطروحة في عملية النقاش الذي يديرها أو يشارك فيها وهذه العملية (عملية الإدراك والفهم) تحتاج مدة طويلة كي يستطيع فيها الفرد أن يصل إلى نتيجته الخاصة. في الواقع أن عملية الحوار بين الأفراد هي أشبه بدعوة مفتوحة يقدم فيها كل الأطراف ملاحظاتهم التي توصلوا إليها من خلال عمليات سابقة أو مخزون فكري، علمي أو تجارب خاصة.. وهي ليست دعوة للتصويت على رؤية يتفق عليها كل من حضر حفلة الحوار.

من خلال هذه الدعوة المنوعة يستطيع كل فرد أن يتخذ ما يراه منطقياً ومكملاً لأفكاره الخاصة وبالتالي يبني نتيجته الفردانية. *حاورني فقط بأدلة لكبار العلماء والمفكرين ولا قيمة لأفكارك الخاصة:* -ما هي الأفكار؟- هي مجموع من العوامل التي يكتسبها الفرد أثناء حياته ونموه وتطوره العقلي والفكري، من خلال تجارب خاصة أو تهجين جماعي تتحول فيما بعد إلى سلسلة من الأفكار الذي يترجمها في هيئة سلوك .. من خلال هذا السلوك تتبلور شخصية الفرد وتتطور وتظهر في المجتمع.

إذن كل فرد على قيد الحياة يحمل سلسلة أفكار خاصة شبيه لتلك التي يحملها المفكرين والعلماء.. وإن كل فرد له الأحقية المطلقة في عرض أفكاره على أي طاولة حوار. *الحوار فوز أو خسارة والنتيجة في صالح من يصرع الآخرين:* في الواقع أن الحوار العقلاني على الأقل لا يتبنى فكرة الفوز أو الخسارة بل هو عملية لعرض الأفكار المختلفة.. ومن يتقاطع أو يتخلف في الرأي في ساحة النقاش لا يطلق عليه خصم أو مريد.. إنما هو شريك في عملية التفكير وإدارة الدعوة المطرحة.

*لا تخالفني الرأي إذا كنت صديقي:* اختلاف وجهات النظر هي عملية طبيعية جداً بين الأفراد وأساسية في تحفيز تولد الأفكار الحديثة وظهورها في المجتمعات البشرية. الاختلاف بين الأصدقاء في الأفكار أثناء الحوار لا يستهدف عنصر المودة بتاتاً .. ولا يعاكس سير الاحترام المتبادل.

*إدانة معتقداتي يعني إدانتي شخصياً:* ما هو مقدساً عندك ليس بالضروري أن يكون مقدساً عند الآخرين.. وحرية الفكر والمعتقدات والإيمان والرأي مكفولة لكافة الأطياف.. لهذا عدم إيمان أي فرد بطقوسك الدينية أو نقدها لا يعني استهدافك شخصياً أو إهانتك فكافة الأطياف البشرية تمتلك ذات اليقين الذي تتبناه.. على إنها تحمل فوق ظهرها جراب الحقيقة المطلقة والصواب السليم.

*آثار الاختلاف تمتد في المواقف اليومية:* إن طريقة إدارة الحوار وكيفية التعاطي مع ضغوطاته.. يرسم سمات الأفراد ويكشف عن موقعهم الاجتماعي. ومن أهم هذه الصفات عدم حمل الحوار من فوق الطاولة إلى كل جوانب الحياة. يتميز الأفراد العقلانيون بكونهم يؤمنون بأن عملية الحوار عملية خاصة جداً.. بينما يربط الذين يحملون مفاهيم خاطئة عن الحوار.. كل مواقف الحياة بالعملية الحوارية. كمثال: يستخدم ضدك بعض الأفكار والكلمات في كل المواقف ثم يغضب منك بعد عملية الحوار لأنك خالفته الرأي. يتصيد ضدك مواقف في حياتك ويربطها بعملية الحوار السابقة.

يتميز هؤلاء بضعف الحجة ومحاولة التشفي في مواقف الحياة العامة كونهم بكل بساطة يحملون تلك المفاهيم الخاطئة عن الحوار. *متى يتحول الحوار إلى مجادلة عقيمة!* يتحول الحوار إلى مجادلة عقيمة في حالة كان الشريك في العملية الحوارية يحمل كل هذه المفاهيم أو بعضاً منها. يتميز المفكرون الأذكياء بفهم طبيعة الشريك في العملية ويباشرون بالانسحاب فوراً إذا تحول النقاش إلى منافسة بدلاً من المناقشة.

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email