الموت عندما يخون: الأجراس ستظل تقرع


آخر مرة رأيت فيها الفنان المبدع الراحل سلمان زيمان، كان بمناسبة الاحتفاءً بمرور خمسين عاماً على تأسيس أسرة الأدباء والكتاب، في الحفل الذي أقيم برعاية هيئة البحرين للثقافة والآثار تحت عنوان "الكلمة من أجل الانسان"، حيث غنى سلمان والجميري مع فرقة البحرين للموسيقى بقيادة المايسترو خليفة زيمان، للأسنان والحياة والفرح والأمل والحب والوطن.

لقد كان سلمان ليلتها طربا كعادته، متعاليا على ما كان يعتمل بداخله من وجع المرض الدفين الذي انتهى به إلى الغياب، لقد غنى كما كان يغني في أوج العطاء والشباب، بكل ما في القلب من عنفوان الأمل والحب والثقة في المستقبل وتجاهل لفكرة الموت.

وفجأة سكت سلمان، ولكن أجراسه سوف تظل تقرع في الذاكرة. لقد فاجأ الجميع برحيله، تاركا وراءه تاريخا حافلا من الإبداع والنضال من أجل حياة أفضل. ففقدت برحيله البحرين فنانا أصيلا، ومناضلا من أجل الحياة والحرية، بعد مسيرة عطاء طويلة، قدم خلالها العديد من الأعمال التي لاقت صدى واسعا في الساحة الفنية، خاصة من خلال فرقة أجراس التي قدمت مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية التي تركت بصمة خاصة في الذاكرة الوطنية والفنية، لأنها ارتبطت بالوطن والفرح والحب وبقضايا الإنسان في كل مكان.

مضى سلمان زيمان وهو في أوج العطاء: غنى ولحّن وعزف إلى أن اختطفه الموت اللعين...فشكل ذلك خسارة فادحة لأهله ومحبيه وللوطن أيضا.

أما نحن فإننا لا نكتسب الشعور بفداحة الموت إلا في سياق العلاقة بمن نحبهم أو من تربطنا بهم علاقة ما، ولذلك تكمن في الإنسان غريزة الموت التي تعبر عن محاولته العودة إلى حالة ما قبل الوجود، باعتباره فرارا من ألم ما، فيصبح الموت ملاذا ومأوى، ونسيانا، ولذلك كان الموتى الهابطون إلى الأسفل في الأسطورة الإغريقية يشربون من نبع النسيان، كي يقضوا حياتهم الأخرى من دون ذاكرة. إلا أن الموت يبقى متلبسا بالفقد، كالخوف من فقد القدرة على الحب، أو الخوف من فقدان القدرة على الإبداع.

إن الموت ليس مجرد مشكلة فلسفية. إنه مشكلة وقضية، المشكلة في (أننا نموت) وندري أننا نموت ونشعر به وراءنا وأمامنا وبجوارنا، يترصدنا، يحاصرنا بمكره. وقضية على النحو الذي لخصها الفيلسوف الألماني هيدجر في قوله: "مأساة الإنسان أنه ألقي به في هذا العالم ليبدأ رحلته نحو الموت".

لقد رحل الفنان سلمان زيمان، بعد أن انتهت رحلته القصيرة، ولكن بعد أن غنى للحياة وللفرح، متحديا عبثية العدم، بما يجعل من الموت مجرد غرفة انتظار، تنطلق الروح منها نحو الحياة الأبدية، ليبقى محمولا في الذاكرة.

رحم الله سلمان فقد كان أكبر من الحياة.

1 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email