حنجرة ذهبية لم تكن لأحدً سواه



مؤمنة وبعد عدة تجارب شخصية مررت بها، أن النفس تتنبأ بما سيحل بعد أيام، أسابيع أو حتى أشهر. وكأن هناك من يقرع أجراس بداخلك. يُنبهك، يستعجلك، يترك لك فرصة القيام بما تريد أو نويت القيام به وأجلته، وكأنه يهديك فرصة جديدة، ولكنها الأخيرة.

تصفحت بعض الجرائد القديمة التي تعود ربما لأكثر من عشر سنوات مضت بقصد أرشفة بعض كتاباتي الصحافية، وقعت عيناي على إحدى مقابلات المطرب البحريني سلمان زيمان، توقفت عندها، وناجيت نفسي: لابد أن استعجل نشر مقابلته التي أجريتها قبل فترة ولم تُنشر؛ لأسباب كانت خارجة عن إرادتي. أنه يستحق منا أكثر بكثير مما حصل عليه من تسليط إعلامي، سأهاتفه وأبلغه بنيتي بنشر مقابلته... هكذا نويت، ولم أفعل!

بعدها بأيام قليلة، راودني حُلم توجست منه خيفة، لتكراره، ولدلالته التي ما كانت تُنبأ بخير. هاتفي المحمول وعلى غير هيئته يسلمني إياه زميل وقد أنكسر في المنتصف وبات قطعتين! لابد أنه خبر يصلني من الهاتف ويحمل لي خبراً غير سار. اللهم أجعله خير، وألطف بنا يا رب. دعوت بذلك والخوف يملئني مما قد ينتظرني من خبر سيقلب كياني، هكذا فسرت الحُلم.

وفي الصباح من ذات اليوم، وأثناء ما كنت في العمل، وصلتني رسالة من زميل. "المطرب البحريني سلمان زيمان في ذمة الله". كان الخبر كالصاعقة، التي آلمتني كثيراً. كيف؟ ولما؟ ومتى؟ كل علامات الاستفهام تلك لم يكن حينها لها داعيً، فلا إجابة عليها سوى إنه قضاء الله وقدره، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (الأعراف 34).

لم أجري وراء تنبيه الجرس الداخلي الذي قُرع ليستعجلني نشر مقابلته، ليقرأها ويراها قبل رحيله، وها هي تجربة تضاف إلى تجاربي السابقة، التي وكما يبدو لم اتعلم منها أن لا أأوجل فعل ما يدفعني إليه الجرس الداخلي إلى فعله.

الراحل الفنان سلمان زيمان، ورغم أنني لم أكن يوماً بمحررة في الصفحات الفنية، إلا أنني كنت أتمنى يوماً أن أقابله، كان من أحب الفنانين لدى شقيقي الأكبر الذي يجد أن له حنجرة ذهبية لم تكن لأحد سواه، ولن تكون لأحد بعده. هكذا كنت أسمعه وأنا طفلة وهكذا كان رأيه فيه حتى يومنا هذا. فأحببت أن أجري له مقابلة وأرى هذا الفنان عن قُرب، وليفرح أخي بهذه المقابلة.

كانت شقيقته الفنانة بدرية زيمان زميلة لي بالعمل، وكانت الخيط الأسرع للوصول إليه، وتحديد موعد مع هذا الفنان الذي رحب ولم يبدي أي مانع لإجراء مقابلة صحافية معه، في أي وقت وفي أي مكان، في سعة من ترحاب جَّم.

تواعدنا في أحد المقاهي بأحد المجمعات التجارية. لا أخفي رهبة مقابلة فنان كبير بحجم الفنان سليمان زيمان، ولكنه وبأسلوبه المتواضع كسر تلك الرهبة، فما هي إلا دقائق حتى اكتشفت الشبه الكبير بينه وبين شقيقي الأكبر، خلقاً وخُلقاً، رغم فارق السن. وربما كان هذا الخيط الخفي الذي جعل شقيقي يعشقه منذ طفولته، وجعلني أشعر أنني أعرف هذا الفنان منذ فترة طويلة ما أن بدأت أحاوره.

بعيداً عن فنه الراقي، الذي يهتم في اختياره كلمات أغانيه، وألحانه والقضايا القومية والعربية النضالية التي كان يطرحها. وقريباً من كونه إنسان، لمست خلال جلسة يتيمة معه، مدى رقي ودماثة خلقه، وشفافيته، وطيبة قلبه، ولطافته، وتواضعه ورقة مشاعره. وجدته الإنسان الفنان البسيط الذي لم تغريه الشهرة، ولم تأخذه إلى منحدرات الغرور. يتمنى الخير للجميع، يحب فنه والفن، ويتحدث عنه كما يتحدث الأب وبحب عن ابنه.

انهيت مقابلتي معه، وفي داخلي غَّصة وفرحة، فرحة لقاء فنان بحجمه وبأخلاقه، وبغّصة ظلمه إعلامياً، فمهما كُتب عنه وسيُكتب، فهو أقل بكثير مما يستحق.

مؤلم حقاً أن تُنشر مقابلته بعد رحيله، ولا يقرأها ولا تتصفح يداه الجريدة حين نشرها. والأكثر إيلاماً أن نكتب في حق مثل هؤلاء بعد رحيلهم، لا في أيام حياتهم. فمتى نتعظ ونكرم من يستحق التكريم في حياتهم، لا بعد مماتهم.

فرقد بسلام يا بوسلام، فقد كنت الفنان سلمان زيمان الذي لا يكرره كثيراً الزمان.




4 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email