البقعة


قصة قصيرة بقلم: يعقوب يدالي


يعقوب يدالي كاتب وروائي ومخرج تلفزيوني إيراني من مواليد عام 1970. صدر أول عمل أدبي له وهو مجموعة قصصية بعنوان (سكتشات في الحديقة) في عام 1997، تبعه (احتمالية السرور والتجوال) الذي أعتبر كتاب السنة لعام 2001 وفاز بجائزة الكتاب والنقاد. نالت روايته الأولى (طقوس اللااستقرار) جائزة مؤسسة جولشيري كأفضل رواية لعام 2004 واعتبرت واحدة من أفضل عشر روايات صدرت في العقد الأول من الألفية الثالثة من قبل جائزة النقاد الصحفيين. نشر العديد من المقالات والمراجعات الأدبية والسينمائية في الصحف والمجلات الإيرانية.

..................................................

حينما جاء في الصباح إلى فناء البيت، رأى البقعة السوداء مرة ثانية. نظر إلى السطح والمجرى ولم يرَ أي قار. قال لنفسه: "هذا زيت"، وتناول قطعة قماش متسخة من مرآب سيارة (البيوك) القديم ووقف أعلى البقعة وحدق فيها. سمع من المطبخ صوت أبيه وهو يئن ويكح ويصدر عدة سعلات جافة يائسة. مسح البقعة لكن الزيت الأسود ترك بصمته على الفسيفساء. سمع والده يكح مرة ثانية، صوت السعال كان يخرج من فمه ويعبر صالة المطبخ التي تشبه النفق ويمر على غرفته ويجعل غرفة الضيوف خلفه وراء الصالة، سوف ينتظر الصوت قليلا ثم يجد فتحة ويسحب نفسه خلالها بصعوبة ويصل إلى أذني الولد. كان الولد يتخيل دائماً صوت الكحة بهذه الطريقة، إنه يحب ذلك. تفحص الدراجة البخارية: طبقة رقيقة من الخشب عرضها نفس عرض عجيزته وأربع عجلات معدنية مع محمل الكريات في بطن العجلات. صقل الخشب بالمبرد وثبت بالمسمار لوحًا مهلهلاً على قمة الدراجة وجلس عليها. الآن المقعد مريح بدون عقد وناعم لكن حركة العجلات لا تزال بطيئة، مزعجة ومتقطعة.

في اليوم التالي، حينما كان يبحث عن محمل الكريات في المرآب، شاهد بقعة سوداء أخرى حجمها ثلاث مرات حجم بقعة الأمس. كانت تبدو سيئة للعيون. أخذ قطعة القماش ومسحها، هذه المرة لم تترك البقعة أثراً للزيوت. كانت هناك فقط بقعة بيضاء متبقية، لا أثر لرسم الفسيفساء. بقعة بيضاء يمكن رؤيتها بين المربعات البنية الصغيرة.

في اليوم الثالث سمع أولاً سعال أبيه المتقطع ثم سمع احتكاك كأس الشاي الصغير الذي تشربه أمه مع الصحن. أحب هذا الصوت أيضاً مثل صوت عجلات الدراجة البخارية على السطح الأسفلتي. كانت أمه ترتشف أول شاي لها في الصباح. ثم دخل إلى الفناء ورأى قبالته على الجدار الذي يسند غرفة الضيوف بقعة أخرى بحجم ثلاث أو أربع أيادٍ. حك ظهر عنقه واستدار لينظر إلى السنونوات التي تجلس على الأسلاك الكهربائية ومناقيرها متقاربة. كانت هادئة لكن الولد استطاع أن يسمع تشويشها، إنه يحب هذا الإزعاج ايضاً. كانت البقعة مرتفعة. عاد إلى المرآب وبصعوبة سحب كرسياً تحت البقعة وصعد عليه. الآن البقعة تلوح أمام عينيه ، قال لنفسه: "إنها تشبه سمكة الأنكليس". تناول قطعة القماش وفي هذه المرة، بصعوبة وجهد أكبر، مسح البقعة من على الجدار. حينما انتهى من عمله استطاع أن يرى ثقباً بنفس حجم البقعة التي على الجدار. قال لنفسه: "إنه يشبه سمكة مفلطحة". استطاع أن يرى جزءاً من غرفة الضيوف وجزءا من جدار الصالة. واستطاع أن يرى إطار الصورة في نفس مستوى عينيه. كان والده في الصورة يرتدي قبعة مصنوعة من اللباد ويلبس حزاماً عريضاً حول خصره ورداءً على كتفيه. حاجباه كانا معقودين لكن فمه كان مفتوحاً بابتسامة وهو يمسك بيد عروسه في يده. أمه بخجل بريء كانت تخفض رأسها وتبحث عن شيء مجهول على الأرض.

في اليوم التالي أصبحت البقع أكبر وأكبر. مسح بقعة أخرى، لم يكن لديه صبر لمسح الباقي. اتجه إلى وسط الفناء، وضع قدمه على الدراجة البخارية وحرّكها. تحركت بصعوبة لكنها لم تصبح متدفقة بعد. بهذه الطريقة سوف يخسر، سوف يصل إلى نهاية المنحدر متأخراً عن الأطفال الآخرين. رجع إلى المرآب ومن أسفل صندوق المسامير والبراغي استخرج صفيحة مواد تشحيم.

عندما خرج من المرآب لاحظ أنه لا أثر لجدار الصالة، كما لو أنه ذاب وانجرف في المجرى إلى الأرض. جدار غرفة الجلوس أيضاً نصف ذائب. استطاع أن يرى قماش سريره في زاوية الغرفة، إلى جانب القماش كانت كتب العلوم والرياضيات الخاصة به مبعثرة على الأرض. هرش ظهر عنقه وحدق في الجدران المختفية لكنه خلال لحظة نسي الأمر وذهب لتشحيم عجلات دراجته.

في اليوم اللاحق استيقظ والشمس تشرق مباشرة في عينيه. كحّات أبيه أصبحت أخف من الأيام السابقة، صوت كأس شاي أمه وهو يحتك على الصحن أمكن سماعه على نحو لطيف. لم يكن ضرورياً أن يترك الغرفة ويدخل الصالة ويذهب نحو الباب ليلج إلى الفناء فقد كان الفناء مباشرة أمام عينيه. اتجه إلى دراجته وجلس عليها وركبتاه مطويتان، ووضع يديه على الأرض وأخذ يدفع إلى الوراء. سارت الدراجة إلى الأمام لمسافة متر واحد أو مترين ثم أحدثت ضجيجاً وتوقفت. قطّب جبينه وانحنى على الجدار ونظر إلى مقدمة البيت. كانت البقعة قد غطت كل الجدار الأمامي. أخذ الكرسي وراح ينظف البقعة الكبيرة، استغرق عمله هذا حتى غروب الشمس.

في الليل، قبل أن ينام، نظر إلى السماء، حزمة من النجوم ظهرت في القماش المنقط. قال لنفسه: "إنه يشبه شادور أمي المنقط". حاول أن يخلق علاقة بين عدة نجوم ليصنع شكلا ثم بدأ في عد النجوم. كانت كثيرة جدا لدرجة أنه لم يعرف عددها حينما داهمه النوم.

في اليوم التالي كانت الشمس تشرق مباشرة. كالعادة لم تكن هناك علامة على المطر. خرج وأخذ دراجته وحدق في جدار المطبخ. سمع سعال أبيه الجاف وكأس شاي أمه يحتك بالصحن. نظر إلى المرآب، كانت هناك بقعة أكبر تغطي جدار المطبخ والمرآب والمخزن. جلس وركبتاه مطويتان على الدراجة وحركها. أحدثت صوتاً مزعجاً وتحركت بشكل أبطأ عن ذي قبل. اتجه إلى المرآب وأخذ صفيحة الزيوت ووضعها على الدراجة ثم تناول قطعة القماش وبدأ يمسح البقعة المنتشرة في المرآب.

في الليل نام مبكراً قليلاً وفي الصباح كان الهواء أبرد نوعا ما من اليوم السابق. لبس بنطاله وذهب إلى الحمام. عندما رجع لم يكن هناك أي أثر للبيت. المكان نظيف تماماً. لا توجد غرفته ولا الصالة أو المطبخ أو المرآب. أخبر نفسه: "إنها مثل البحر". في المسافة التي لم يكن يستطيع أن يراها من قبل، استطاع الآن أن يرى ألهبة آبار النفط وأن يستشعر حرارتها. قال لنفسه: "إنها مثل رقبة زرافة". لم يستطع أن يرى أي أثر للبيت لكنه استطاع أن يسمع أنين أبيه وسعاله وصوت كأس شاي أمه على الصحن. اتسعت عيناه ولبضع لحظات حدق في فضاء البيت الخالي. لا فائدة، لم يكن هناك أثر للماضي. هرش ظهر عنقه، انحنى والتقط دراجته وغادر البيت. قال لنفسه: "هذه المرة سوف أذهب إلى التل بقلب مرتاح، سوف أترك كل الأطفال خلفي". نظر من الباب إلى الشارع، على المنحدر كانت هناك بقعة في حجم اليد. حدق في البقعة لعدة لحظات، حك ظهر عنقه بصورة أطول من المعتاد ثم وضع الدراجة أرضاً وعاد إلى الفناء ليمسك بقطعة القماش كي يمسح البقعة.

0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email