ثلاث عشرة طائرة



طوال الأسبوع الماضي انشغلتْ أمي بتهيئة الملابس الجديدة، وتجديد أثاث المنزل وإعادة ترتيبه، تساعدها في ذلك جدتي وأختي.

كعادتها في كلّ عام، مع اقتراب عيد السنة الجديدة استغنتْ أمي عن كثيرٍ من الأشياء البالية، وغسلتْ السجّاد والستائر، وأخرجتْ الأطباق والأواني المكسورة، وتخلّصتْ من الأدوية الموجودة في المنزل، فوجودها كما تقول يجلب المرض.

أما أبي فقد أعاد بنفسه طلاء الجدران بألوانٍ خضراء فاتحة كألوان الربيع، الذي سنحتفي بقدومهِ يوم غدٍ مع أول يومٍ من أيّام السنة الجديدة.

الجبال المعطرّة بروائح النرجس، المكتسية قممها بأشجار البلّوط والجوز، وسماء مارس الصافية الرائعة، وضوء الشمس السّاطعة في الحقول، والسفوح المفروشة بالسندس وشقائق النعمان، وصوت تدفق الشلال، والأزهار والأعشاب المتراقصة على أنغام زقزقة العصافير، كانت كلها تعلن قدوم الربيع، مستبشرة بانتهاء فصل الشتاء القاسي، بعواصفه الغاضبة، وركام ثلوجه التي تحيل الحقول والطرقات إلى صفحة بيضاء، معلنةً عن يومٍ جديد، من عامٍ جديد، يحمل البشائر والفرح والبهجة.

الكلّ مشغولٌ في هذا اليوم استعداداً ليوم الغد، كنتُ سعيداً بوجودي في البيت مع جدتي، بدلاً من الذهاب مع أبي وأختي إلى المشغل لنساعده في حياكة السجاد، فهو مصدر رزق العائلة منذ عشرات السنين.

أبي أفضل من يطرّز السجاد في المدينة، إذا جلس على قطعة الخشب القديمة خلف النول فبإمكانه أن يعقد 15 عقدة في الدقيقة الواحدة، أو نحو ثمانية آلاف عقدة يومياً.

يبدأ العمل صامتاً، يستخدم بمهارة صنارته ذات الرأس المعقوف، والشفرة العريضة لتقطيع الخيوط.

لم يوجد أحد مثله في إضافة الألوان والرسومات من أغصانٍ وزرافٍ وطاووسٍ، ونسج أشكالٍ هندسية وحيواناتٍ وأوراق نبات في وسط وأطراف السجّادة

تقول أختي أنّها تحبُّ رائحة الصوف في المشغل، وكلّ سجادةٍ تحمل قصةً مختلفة، ويستغرق العمل فيها ثمانية أشهر من الشغل المتواصل، وأحياناً عاماً كاملاً، وتقول أنّ حياكة السجّاد تأخذها بعيداً فتنسى كل شيء، ولا تخطر على بالها إلا الأفكار الجميلة.

إنها في السادسة عشرة ربيعاً، تكبرني بأربع سنوات، وجهها ناصعٌ مدوّر، وعيناها واسعتان سوداوان تفيضان نوراً وبهاءً، وشعرها حريري جميل، وصوتها عذب. مغمورة بالسكينة والرضى، لا تشتكي ولا تتذمر أبداً، لكنها تحمرّ خجلاً إذا تكلمتْ جدتي عن مشروع زواجها من ابن عمي.

مهمتي اليوم بعيداً عن المشغل على وجه التحدي الاعتناء بأسماك الزينة الذهبيّة الخمسة، ومراقبتها في أوانيها الزجاجية، الموضوعة في شرفة المنزل.

قالت جدتي:

"إن ماتت أيّة سمكة قبل اليوم الثالث عشر من أول شهر السنة الجديدة سيكون فألاً سيئاً، وإن بقيتْ السمكات في قيد الحياة، واجتازت اليوم الثالث عشر المنحوس فإن هذه الأسرة لن تفقد عزيزاً خلال هذه السنة. هل تريد أن تفقدني يا (ع)؟".

قلتُ وأنا أحضنها بشدة:" لا يا جدتي، لا أريد أن يموت أحد منا".

قالتْ وهي تضحكُ بصوتٍ ضعيف:

“إذاً اعتنِ بالسمكات الذهبيات عنايةً خاصة، ولأنك ولدٌ مطيعٌ سأوكل لكَ مهمة صباغة بيض الدجاج بعد سلقه باللون الأخضر والأصفر والأحمر.”

أمسكتْ بيضةً في يدها وقالت:

“انظر يا (ع) إنها مثل الأرض التي نعيش عليها ... اصبغها بألوان الربيع".

أمسكتُ رأسها بلطف وقبلتها عدة مرات وقلتُ متوسلاً:

“أرجوكِ يا جدتي، احكي لي قصة (الضحاك) الشرير".

لوّحتْ بيدها علامة الرفض، ادعتْ انها مشغولة، وعليها أن تكمّل التنظيف قبل يوم العيد. لكنني كررتُ تقبيل رأسها ويدها.

في هذه الاثناء أحضرتْ أمي طعام الفطور المكوّن من الخبز الطازج المصنوع من القمح الخالص، مع جبنة بيضاء، ولبن خاثر، وعسل أصفر، وكؤوس من الحليب الحار الذي يتصاعد منه البخار.

“اجلس وتناول افطارك أولاً".

“احكي لي الآن، أنا مشغولٌ جدّاً".

وضعتْ خمارها فوق فمها واسترسلتْ في ضحكة طويلة جعّدت ثنايا وجهها.

" أنتَ مخادعٌ كبير. سأحكي لك أيها المخادعُ الظريف: يقال أنّ سلطاناً مستبداً يدعى (الضحاك)، كان من جنس الشياطين، يكره الناس، ويمنع ماء السحاب أن ينزل على الأرض، يزعمون أنه ابن الملك (مرداس) ملك الأرض، كان هذا الملكُ صالحاً في البداية، وكان له خادمٌ من الجن يسمى (إبليس)، يظهر في شكل شابٍ جميل، وأغرى إبليس (الضحاك) بقتل والده، لفرض حكمه، لكن (الضحاك) تردد، ولم يوافق على ذلك رغم وسوسة إبليس له.

وذات ليلة خرج الأب (مرداس) يمشى في بستانٍ له، فوقع في بئرٍ مغطاة بالحشيش، فطمرها (ابليس) بالتراب، وهكذا أصبح (الضحاك) ملكاً جباراً. لكنه لُعن هو ومملكته بسبب شره، فرفضتْ الشمس الشروق، وأطفأ القمر أنواره، والنجوم ما عادتْ تلمع في السماء.

دخل إبليس على (الضحاك) ذات يومٍ وطلب أن يقبل منكبيه، فظهرتْ دملتان في منكبيه على شكل ثعبانين.

أمر (الضحاك) الأطبّاء والحكماء بقطعهما، فلما قطعتا نبتتا في الحال، وعجز الأطباء عن مداواته، فجاء (ابليس) في هيئة طبيب، وطلب منه أن يقتل شابين كلّ يوم، ويطعم الثعبانين من أدمغة الناس حتى يستريح، وهكذا قيل أنّ (الضحاك) هو أول من أكل اللحم في الدنيا، وكان الناس قبلاً يقتاتون بالنبات.

انتشر الرّعب والفزع بين الناس، ولكن طباخيه الذين سئِموا ذلك الظلم، اكتفوا بقتل شاب واحد كلّ يوم، وتركوا الآخر يفرّ إلى الجبال، حتّى تألف من الناجين جيش كبير.

قرروا ذات يومٍ أن يخلّصوا الناس من ظلم وجور السلطان، فأشعل الشباب النيران على رؤوس الجبال ايذاناً بانتهاء حكم (الضحاك) وبداية يوم جديد وعهد جديد، وكان ذلك أول أيّام السنة الجديدة ".

دفعتني بلطفٍ وقالت:

"انتهت الحكاية، تناول افطارك الآن".

“سأحكي لكِ يا جدتي عن الحلم الغريب الذي حلمتهُ البارحة".

" – اللهم اجعله خيراً" .

" – بينما كنتُ واقفاً على شاطئ رأيتُ كائناً مضيئاً يهبط من السماء، كأنه عمودٌ من نور، وفي يده عصا مضيئة من اللهب، وكان حجمه تسعة أمثال الإنسان، فلما اقترب مني".

قالت جدّتي وهي تفتعلُ الجديّة:

" – دعني أكملُ حلمكَ، فأنا كنتُ موجودة هناك، حينما ولدتكَ أمكَ، امتلأت الدار نوراً قدسيّاً وهاجاً، وهبط نجمٌ عظيمٌ من السماء، ودنا من الأرض ليملأ الفضاء بنوره. هل أكملُ أيها المحتال، وظهر ثورٌ ناطقٌ قال أنّ منقذ العالم (ع) قد اقترب مجيئه. هل نسيتَ انني أنا التي رويتُ لكَ هذه الحكايات يا كذاب".

" – لكنني رأيتُ ذلك في الحلم".

" – اذهب وأنجز عملك قبل أن يفوت الوقت".

قلت: " ماذا عن الأبرياء الذين ماتوا بلا سبب؟".

نظرتْ في عينيّ ولم تقل شيئاً.

" – هيا يا ولد .. كرر ما أقوله".

رفعتْ يدها إلى السماء ورددتُ معها:

" يا مقلب القلوب والأبصار، يا مدبّر الليل والنهار، يا محوّل الحَوْل والأحوال، حوّل حالنا إلى أحسن حال".

في تلك الأثناء سمعنا في الخارج هدير طائرات يصمّ الآذان، ويبعث على القلق. جاءت أمي وأبي وأختي متسائلين عما يحدث في الخارج.

خرج الناس شاخصين أعينهم إلى السماء متسائلين: من أين أتت هذه الطائرات؟ ولماذا تحلّق في سماء المدينة في يوم العيد؟.

الشباب الذين تطوّعوا لتنظيف الأزقة والشوارع حاولوا تهدئة الناس بأنّها طائراتٌ لرشّ المبيدات الحشرية، وأنها تقوم بحركات بهلوانية تحيةً للعيد. لكن الأمر لم يكن كذلك.

وحتى يقنعوا الناس أن لا ضرر من وجود الطائرات واصلَ الشبان تحضير المشاعل الكبيرة المصنوعة بطريقة بدائية من قطعة قماش ملفوفة حول عصا طويلة لاحتفال العيد.

بعد قليل عادت الطائرات تحوم فوق المدينة على ارتفاعاتٍ منخفضة، فأثارتْ الخوف حتى بين الشباب انفسهم.

ثلاث عشرة طائرة من طائرات رشّ المبيدات الحشرية أغارت في ذلك اليوم الربيعي من شهر مارس على المدينة، كلّ طائرةٍ تحمل أربع قنابل بوزن خمسمائة كيلوغرام.