الميثولوجيـا والهويـة في روايـة ..المحيط الإنجليزي(3)


تصوير : صالح ناس

ميثولوجيا الشعوب


كما هو معروف بأن الميثولوجيا هو علم الأساطير، أي العالم المتعلق بالأساطير والمعتقدات التي تشكل ثقافة مجتمعية معينة، وذات جذور تاريخية برزت في الحضارات الإنسانية القديمة، وعادة يدرس هذا العالم تلك المعتقدات التي كانت في المجتمعات القديمة المتمثلة في القصص والخوارق الخارقة للطبيعة والكائنات، والأجسام غير المرئية، وبعض الممارسات التي بنيت على هذه المعتقدات والأعراف التي تصل إلى عدم وجود تفسيرات موضوعية أو علمية لها، وربما هذه المعتقدات والأساطير تشكلت في سياق ثقافة المجتمع وما يؤمن به من خرافات كان يربطها بواقعه المعيش، وللميثولوجيا سمات أو خصائص تتمثل في أبعادها الفلسفية والأخلاقية والاجتماعية، وعلاقة كل هذا بواقع الإنسان وطبيعة عيشه ومكانه وتطلعه، وعلاقاته مع الكائنات الأخرى، فضلاً عن علاقتها بالأمور غير المنطقية التي يعجز العقل عن تفسيرها وتحليلها، وبخاصة حين ترتبط بمكونات الكون كالشمس والقمر والأمطار والأعاصير، النار وغير ذلك، وربما تؤخذ الميثولوجيا لقراءة الواقع وتفسيره وربطها بالأحداث التي تقع، وعادة الرموز ذات العلاقة بالميثولوجيا والخرافات المروية والمتواترة عبر الأجيال " فهي رموز مقدسة تصل ما بين علم طبائع الموجودات والنظرة إلى الكون والذائقة الجمالية والأخلاق، وتأتي قوتها المفترضة على مضاهاة الواقع "(1).

الوقوف على الاعتقادات ذات الصبغة الميثولوجية، مثل: التكهنات بما سيحدث وكأن هناك قوى تسهم في حدوث هذا أو ذاك، وهذا ليس غريبًا في متون التراث العربي التي تشير إلى عدد من هذه الاعتقادات، كما كان يقال (لعنة الفراعنة التي كتبت منقوشة في أثناء اكتشاف مقبرة توت عنج آمون في العام 1922، وتقول هذه اللعنة (سيضرب الموت بجناحيه السامين كل من يعكر صفو الملك). ومن يذهب إلى قراءة تاريخ مصر الفرعونية واكتشاف المقابر سيجد بعض التحليلات التي تشير إلى وجود هذه اللعنة وأثرها على بعض العمال وعلماء الآثار. فـــ " كل ميثولوجيا تاريخية في شكلها كما في معناها، وكل حقبة من الزمن، تعد الميثولوجيا التي تناسب حاجاتها المادية والثقافية: هذه الميثولوجيا تسمح لها عبر نظام من الصور أن تعمم تفسيرًا لظروف وجودها الجماعي "(2).

د.فهد حسين

اهتمت الرواية بطرح هذا الجانب الذي نعتقد أنه مهم مناقشته في ضوء العديد من المعتقدات التي سارت في جسد ثقافة المنطقة على جانبين مهمين، هما الحياة الثقافية والحياة الاجتماعية، لهذا كشفت الرواية عن طبيعة الإنسان في تلك المناطق التي غطّتها الرواية شرقًا أو غربًا، إذ بينت كيفيـة الإيمان والاعتقـاد ببيضة النعـام، فبعـد ولادة طفل من الخدج، وإنه ولد في يوم نحس؛ لأن الحيـاة في قرية مبومباسـا من أم اسمها (مينـازاتـون) وأب، هـو شيخ زرادشتي فارسي ضرير، هذا الطفل الذي ولد في يوم كان كل شيء قد توقـف، العمـل والفلاحون والبحارة خوفًا من حدوث كارثة بسبب وجود سحابة سواء فحمية حجبت القرية، ولكي يعيش هذا الرضيـع اقترحوا على الأم أن يوضع في بيضة نعامة، هكذا سحبته جدته لأمه من حضن الأخيرة متوجهة به إلى أطراف القرية، فـــ " سلمته لحكيم الكلام .. قضى الليل كله في الاختيار والمفاضلة لبيضة نعامة مناسبة فيها آثار إله النور والخير والخلود "(3)، وهو ما يؤكد طبيعة الإنسان ومدى إيمانه بمعتقدات يراها صائبة وتسيّر حياته، حيث يعطى دورًا للحكماء المؤمنين بدور خارج العقل والمنطق، وهو شيء من طوباوية الحياة ذات العلاقة بميثولوجيا الإنسان تجاه تقلبات الحياة والدنيا والإنسان نفسه المؤمنة ببيضة النعام للمحافظة على بقاء الإنسان، مما يعنى أن حضور بعض المعتقدات يشكل " الهدف العام من الشعائر هو التطهير والتجديد، تطهير لأنها تنبذ الوباء اليومي، وتجديد لأنها تبعث الحياة الروحية الحقيقية، والتطهير والتجديد يقومان بوصف الأبعاد المادية والروحية للحياة، عند طرح المشاكل في حياة شخص، وتساعده على التغلب على ظروف الحياة، وتجعله أقوى أثناء ذلك "(4).

وأشارت الرواية إلى بعض المعتقدات الميثولوجية، وذلك بحسب الديانة والمعتقد، وها هي تشير إلى: " إن القبائل في تنجانيقا تعتقد أن الله سبحانه وتعالى يسكن الأشياء، وأن الله يمشي على الماء (استغفر الله) وما الزلازل إلا صدى لخطاه، يؤمن الهنود الهندوس أن الشجرة الكونية هي شجر الحياة العائمة على الماء، أما العرب والبلوش والمسلمون فيعتبرون هذه البحار والمحيطات من نعم الله على الإنسان ..، أما نبي فارس فقد أوحى لسبعة أمراء شيرازيين بحمل أرث كتابه المقدس (الأبستا) والإبحار من ميناء سيراف في بوشهر والاستيلاء على الساحل الشرقي لأفريقيا ومومباسا لتأسيس مدن إقطاعية تقوم عليها المملكة الشيرازية في القرن الخامس الميلادي، فجاءت قلة منهم من الخليج الفارسي يحلمون بتشييد حكومة الصدق في المملكة النورانية، ويتوقون للذهب والعام وقرون الكركدن، وقد خطوا وصايا كتابهم المقدس بدماء السود، وبزهق أرواحهم، ونجحوا في تأسيس أربع مدن أفريقية: مومباسا وجزيرة رمبا وأنجوان وكيلوا مركز سلطة المملكة الشيرازية، ورغم اندثار هذه المملكة تشربت الأرض الطقوس الزرادشتية حتى دانت السيطرة على القرن الأفريقي وما حوله لآل بوسعيد والمزاريع "(5)

ويحاول الروائي فريد رمضان أن يستحضر التاريخ، فكلما وقف حدث ما لدى البحارة أو الربان أو في سياق أحداث الرواية، يضع مقارنة أو الإتيان بما يضع التناص أمام القارئ، فحين رأى الربان ما ستؤول له سفينته، والدمار القادم، دخل في غيبوبة، ولكنه يستطيع التمييز، إذ أحس بسكرات الموت القادم، وهنا يأتي بحالة أخرى تقارب بعض الشيء معاناة الرجل بمعاناة السيدة هاجر زوج النبي إبراهيم وهي ترى طفلها ظمأنًا، وعلى الرغم من بحثها بين جبلي الصفا والمروة عن الماء ذهابًا وقدومًا، فإنها لم تستطع الحصول على الماء، " فبانت له هاجر وهي تبحث عن الماء اتقاء موت رضيعها إسماعيل، أوكلت أمرها إلى خالقها في سبعة أشواط بيم جبلي الصفا والمروة، وحين عجزت، قالت: يا إسماعيل، مت حيث لا أراك "(6)، وهناك تناص آخر بين بعض أحداث الرواية الخاصة بالغرق والسفينة العمانية التي غرقت عند بحر جزر إندونيسيا في الفون الثامن الميلادي، كما هناك تناص آخر بين أحداث سرقة الأولاد من أفريقيا حيث تناولتها أيضًا رواية النواخذ لفوزية شويش السالم(7)، وتناولتها ورواية بحر أخضر ولؤلؤ أحمر إلى يوسف البنخليل الذي أكدت سرقة الأولاد في شبه الجزيرة العربية وبيعها في أسواق المنطقة أيضًا، وهو ما طرحته الرواية حين تناولت بيع الرقيق في مكة.

يواصل الراوي في سرد أحداث الرواية ويكشف بعض كرامات الرجل الجليل مولانا رشيد حمدان، فبعد ما قالت أم يوسف لأبيه أن يسلمه العهدة والأمانة، وأن يتحمل المسئولية، بدأت رحلة أخرى ليوسف، وهي سيرة حافي القدمين مع أبيه ليلاً إلى مكان بيت رشيد حمدان، ومنه إلى جبل ثم مغارة حتى وصلا إلى قبر مولانا، وهناك حدث المفاجأة، الأولى عند أحد الشاهدين ليخرج الأب منه العهدة، وعند الشاهد الثاني يظهر ضوء أحمر جعل الأب يبصر ليرى ابنه وجماله، ثم ينتشر هذا الضوء في كل مكان ليختفي كل شيء عدا يوسف الذي رأى نفسه وكأنه جالس على أرض صوان، " وفي اللحظة الفاصلة وهو يسحب يده من تحت مرقد مولانا غطى الضوء الأحمر المغارة بشكل كامل مثل غيم سميك، أصابني للحظة بالعمى، فلم أعد أبصر شيئًا، اختفى أبي، اختفى المرقد، اختفت حدود المغارة، استشعرت جسدي ككيان مستقل جالس على أرض صوان "(8)، وهذا الحدث المتعلق بالضوء يعود بنا إلى ذلك الضوء الأحمر الذي كان يخرج من الصندوق المركون في مخزن السفينة، حيث عمدت أحداث الرواية إلى الحجر الأحمر واعتبرته مثار الخوف والفزع لدى الإنسان عامة، ولمن أخذه معه بداية من زنجبار ليكون في الصندوق مع ثلة الأولاد والبنات المأخذين للبيع، " وحين تأكد مسالمي من خروج الرجل الإنجليزي، نظر أسفل الصندوق الجالس عليه، ورأى الضوء الأحمر يشع من فتحاته، تلاقت نظرته مع كنجي لأنهما يعرفان سرّ هذا اللون الباهر، وينبغي عليهما إخراجه وإخفاءه عن العيون كي لا ينشف ضوء عيونهم "(9).


ولكن بغرق السفينة وانتشال الغرقى والناجين أخذ مسالمي هذا الحجر معه حينما نزلوا في مسقط، ثم بتوزيع الأولاد وتفرقهم حينما كبروا يصبح الحجر عند مباندا (جيكوب / يعقوب) الذي سلمه إلى رشيد حمدان في مكة، إذ " توجس يعقوب وهو يرى رشيد حمدان يفك الصرة ببطء وعناية، ظهر أمامه حجر الياقوت؛ أحمر ذهبي اللون، وله شكل كبد، ولا يتعدى حجمه بيضة حمامة، شفاف في أطرافه، ويسكن في عمقه كائن في منتهى الصغر كأنه يتحرك في داخله، ينبض بروح سكنت باطن الحجر منذ قرون طويلة "(10)، وهكذا يرى رشيد حمدان بأن هذا حجر من الجنة، ولديه القدرة على بسط الضوء ونشره في المكان، إذ " عمّر قصورًا وقبائل وأراضي جدباء، ولكنه توّه قلوبًا وأحرق صدورًا، وأشعل حروبًا، وأثار فتنًا، وظل رغم كل ذلك مقدسًا وكريمًا، يذكر في السماوات وفي الأرض "(11)، ومهما كانت طبيعة هذا الحجر وقيمته فإن الطقوس والرموز التي تشكلها ثقافات الشعوب وتجعلها رموزًا للحياة والعالم، فهي في الأصل رموز تحمل أما قيمة إيجابية أو سلبية، بل يصل الأمر بعض الأحيان إلى الصراع بين طرفي هذا الرمز، وهو ما كانت تبرزه الأحداث بين الحين والآخر، وكأن رشيد حمدان يقول أن الأشكال الأسطورية تقدم " سردًا رمزيًا عظيمًا، يمكن فيه التعبير عن ظروف الحياة وفهمها، ووضعها في شكل لا يعمل فقط لذات المرء، بل لرفاقه وأسرته وجيرانه "(12).

وبات الحجر في عهدة رشيد حمدان حتى وفاته وتسلم يوسف الصرة من أبيه بعد دخولهما المغارة، لتكون عنده أينما رحل حتى وصل إلى فرضت عليه ظروف المكان وقطاع الطرق الذهاب معهم إلى مسقط ليباع هناك ضمن المجموعة التي أخذها شير محمد قاطع الطرق، وهنا يطلب ثابت بن جارم من يوسف أن يسلم هذه الصرة إلى مايك الموجود في البحرين، ثم يعود، " ... فكر في الأمر. يمكنك الذهاب إلى البحرين، وتسليم الأمانة إلى صاحبها ثم العودة إلى سقر "(13)، لكن هذه الأمانة لم تسلم إلى مايك، بل أعطيت إلى عبدالله ابن يوسف بعد ما قرر تهريبه خارج البحرين إلى زنجبار، إذ طلب مايك (سالم) أن يأخذ هذه الأمانة إلى الدكتور ماثيو، هكذا يعود الحجر " أنت تعرف لماذا جئت إليكم. أما أمر الصرة والحجر الذي تتحدثون عنه فلا علم لي به، افتح الصرة أو ضعها أمامي ودعني أتقبل مصيري الذي تأخر أكثر من أربعة وأربعين عامًا ... "(14).

كل الموانئ على اختلاف دورها وتسميتها ومكانها فهي تحتضن الكثير من الحكايات والخزعبلات وبعض المعتقدات التي كانت مصاحبة للمسافرين والبحارة والربابنة، بعضها يثير التساؤل والدهشة، والبعض الآخر يقال وينسى مع مرور الوقت، هكذا كان ميناء مسقط يستقبل الحكايات المبهمة عندما ترسو السفن، " قصص لا تتطلب تفسيرًا كونها شأنًا يخص الله، حيث إن إيمانهم كمسلمين بالقضاء والقدر يعفيهم من التفكير في الأسباب والمسببات، والمفاجآت التي تحيط بدائرة الكون، لا يسأل عنها، ولا يثار لفهمها أحد طالما هي أمر رباني "(15)، لذلك كثر ذكر هذه المعتقدات والأساطير، مثل: علاقة الأصوات التي كان يسمعها عبدالله بن حمود التوانقي ربان السفينة قبل غرقها، وعلاقة ذلك بالخطر الذي يعتقد أنه يهدد السفينة، أو ذاك الاعتقاد عند بعض القبائل التي ترى الإمكانية المشي على الماء، أو ربط ما يحدث في الحياة الطبيعية والحياتية من مشكلات فهو غضب كما هو ربط الزلازل بأفعال البشر، أو ربط حياة عابدين (إستيفان) بالدابة (16) التي تختطف الأطفال، وموته يعني اختفاء الدابة نهائيًا، لارتباطهما معًا، أو تلك النخلتين، ولف إحداهما بالقماش، وهي محطة لزيارة النساء لتقديم النذور، والتوسل من خلالها " لفت إحداهما بأقمشة ملونة، ووضعت تحتها نذور النساء "(17)، فضلاً عن دور الخواتم في تهدئة النفوس وإدخال الاطمئنان.

وهكذا فعلت أم يوسف حين جاءها خائفًا مضطرب الأحوال، إذ أجلسته " أحضرت لي طاسة ماء فيها خاتمها الذي يميزه فص فيروزي، تمتمت ثم نفخت فيه وطلبت مني أن أشرب منه، شربت ومسحت ما تبقى منه وجهي، وتمتمت مرة أخرى بتعاويذ لم أفقها "(18)، وهناك إشارة إلى القمل الذي تكاثر وخرج من جسد عابدين ليس محض صدفة، وإنما له تداعيات سابقة، ومتعلقة بحياة حفظ السر، وعلاقة ذلك بالدابة، كما أشار هذا القسم إلى موت رشيد حمدان وتجهيزه ليدفن في المغارة، بعد ما عرفوا أن موته لم يكن عاديًا، وإنما عبر شيء خفي، ونتج عن ذلك تلك الدماء التي تسربت بغزارة في مجلس مولانا رشيد حمدان، أي " إذا كانت الميثولوجيات تتدافع، وتسقط وتنهار الواحدة فوق الأخرى، الواحدة في الأخرى، فذلك لأنها ومن دون أن تتوصل إلى إقامة توازن ثابت نهائيًا، تظل قائمة إلى هذا الحد الملتبس من الواقع حيث تبدو الأشياء الجامدة أنها اكتسبت معنى، وفي الوقت ذاته على عكس ذلك، يتجمد المعنى في الأشياء حتى يتلاشى فيها "(19).

وأشار الراوي إلى عبارة أعتقد مهمة جدًا وإن لم يتضمنها كتاب دليل الخليج، تلك العبارة التي كتبت بحبر أحمر، وهي ضمن الأوراق التي عثر عليها بعد انتحار لوريمر نفسه، إذ تقول: " كنت مؤمنًا بالرب، ورحت أضحك كلما قابلت شخصًا يؤمن بإله لا أعرفه أو أقرأ عنه سابقًا، لماذا يستبدل الرب ثيابه كل يوم؟ "(20)، وفي الوقت نفسه يستغرب الراوي من علاقة هذه العبارة بالحديث عن سقر! وهنا وبحسب ما أعتقد أن من قام بجمع كتاب دليل الخليج، وتنقيحه وإبعاد هذه العبارة كأنه يريد القول: بأن قرية سقر فيها تعدد الديانات، وليس الدين الإسلامي فحسب، ولكن الرغبة في إخفاء هذه الحقيقة أمر مهم بالنسبة إلى الاستعمار البريطاني في وقت كان يتعامل مع غير المسلمين في الهند مثلاً وفي أفريقيا، لذا فالإبعاد وفق هذا الاستنتاج ضعيف، وربما هذا الاستبعاد نابع من طريقة صياغة العبارة التي فيها استهزاء بالديانات الأخرى، وهذا ما ترفضه بريطانيا الداعية لحقوق الإنسان وإن كانت هي آنذاك تنتهكه، حيث لا تقبل أن يؤخذ عليها مع مرور التاريخ أن من كلف بكتابة ما يتعلق بالمناطق الاستعمارية البريطانية يتصف بعنصرية دينية، أو غيرها.

وإن الشيء الملفت أن أتور حين كان صغيرًا وإستيفان بعد تغيير اسمه في مدرسة أولاد العبيد المحررين، و(عابدين) حينما بات شابًا في سقر، خرج من المدرسة وجلس قرب رجل من مطرح يتلو القرآن، وحينما رآه مباندا ذهب وجلس معهما يستمع لما يقول هذا الرجل اذي كان يتلو سورة مريم عليها السلام، وتتعقد الأحداث هنا حينما يطلب الرجل الذهاب معهم إلى المدرسة، والطلب الآخر السماح له بالبقاء هذه الليلة لينام معهم، وها هي الأحداث تنمو، فبعد ما نام الجميع إلا مباندا جلس يتسامر مع الرجل، الذي أخبره " أنه يعرف السر الذي يحتفظ به مع كنجي ومسالمي، وسيعرفه أتور، وسيدفع حياته ثمنًا لذلك، ستغرق يا مباندا ولكن ليس في البحر، وسوف يقتل كنجي غلامًا دون ذنب، وسيضيع مسالمي في أرخبيل الخوف، وعليك بالصغير فله الدابة وهو قادر عليها ... "(21) وحينما أصبح الصبح لم يروا الرجل الذي أكد لهم أتور أنه لم يخرج على قدميه وإنما رآه يطير. وهذا يأخذنا إلى التراث العماني وما يحتضنه من معتقدات تتعلق بالسحر وتشكل الإنسان، وقد تناوله الأدب العماني عرضًا وتفصيلاً، وهذا الاعتقاد المنتشر في عمان من خلال الموروثات الاجتماعية والتاريخية أخذته المادة الأدبية السردية والشعرية في عمان وسطرته وأسطرته بشكل ملفت وكأن عمان تتميز بهذا التراث دون غيرها، في الوقت الذي كان ينبغي معالجة الموضوع في سياقات ثقافية وإن كانت حاجة الأدب إلى الميثولوجيا هذه المعتقدات والخزعبلات.

إن الخوف الذي دب في قلب حارب المعتقد بوجود قرين إليه، وهو ما يمنعه من الإنجاب الذي تنتظره زوجته مزنة، معتقدة وبحسب ما يقول لها بين الحين والآخر أن القرين مسلم ولأنه تحول إلى الدين المسيحي فلابد من التوافق بينه وبين القرين، كلما ذكرته بعملية الإنجاب التي وعدها، هكذا قالت له وفي مصاب بحمى: " جئت بي من صور، وقلت إن قرينك ألزمك ألا تضع ماء صلبك فيّ إلا بين جبلين، شغلتك مريم العذراء عني، وكما اقتربت منك قذفت على الفراش، وطلبت مني غسله وتطهيره متعللاً أن القرين لم يأخذن بذلك بعد "(22) الأمر الذي جعل البروفيسور ماثيو مستغربًا من الأمر حتى سأل ثابت بن حازم حول القرين، ولكن لم يحصل على إجابة أقنعته، فهو لا يؤمن إلا بالعلم والتحليل والتفسير وليس بغبيات ما يؤمن بها هؤلاء الناس في مسقط، إذ قال له: إن المسلم لديه قرينان، واحد من الجن، والآخر من الملائكة.

لقد تحققت هذه النبوءات التي قالها ثابت بن جارج، فمات يعقوب (جيكوب) في تلك السيول التي نزلت على مكة، ودفع آتور (عابدين) حياته ثمنًا لتخلص القرية من الدابة، ودخل الخوف في جوف مسالمي (مايك - سالم) الذي رفض استلام الأمانة كلما حاول يوسف التخلص منها وتسليمها إياه، وكأن هذه لعنات رميت على أجساد هؤلاء ليتعذبوا طوال حياتهم، تلك اللعنات التي يبدو استقوها من تصرفات نزجي حين قتل الفتيات الثلاث واستخرج منهن أكابدهن رغبة في إعطاء الربان عبدالله فاقد الأبناء قدرة الإنجاب، وهذا ليس غريبًا أن تلامس اللعنات الإنسان، فهناك اللعنات السبع أو ما يطلق عليها الخطايا السبع المتجذرة في الإرث المسيحي، وهي: (الغرور – الجشع – الشهوة – الحسد – الشراهة – الغضب – الكسل)، وفي الوقت ذاته قسمت هذه الخطايا ليكون بعضها ذا وقع بسيط، ويسهل التغاضي عنه، ويمكن المسامحة عنه، وهناك ما يتصف بالخطايا المميتة التي تدمر الحياة وسعادة البشر وتقلب كيانهم من فرح إلى حزن ومن سعادة إلى شقاء، ومن حياة إلى موت، وهذا ما كان مصير بعض شخصيات الرواية، وهناك من يرى أن اللعنات تتشكل عبر طرق متعددة، مثل: تمائم وتعاويذ – الكتابة على العظام – اللعين – دق الدمية على جذع شجرة، كما هو عند اليابانيين، غرس العصا في جمجمة الحصان ووضعها مقابل البيت المراد إيذاءه، اللعنة المدونة في الصفحة الأولى للكتاب – الرسومات على الجدران – التماثيل المصنوعة على هيئة إنسان، وغيرها الكثير بحسب ميثولوجيا المكان والمنطقة والإنسان.

ومن تلك المعتقدات ما كان يتوافق ويلتصق بالفهرس الذي هو رتبة يحظى بها الرجل المتصف بالعلم والمعرفة الكبيرة، فـــ " أن تكون الفهرس يعني أن تكون عالمًا بكل علم " (23) ولكن هذا لا يأتي صدفة، أو الحصول عليه بالأمر السهل، وإنما بعد ما يمتلك الإنسان " الحجر المقدس المتمثل في خاتم الإمارة "(24) الذي كان نظير خان ينتظرهما بفارغ الصبر، والحصول عليهما مهما كلف الأمر من تضحيات مادية أو بشرية، ومن يحصل على الاثنين فقد عرف كل شيء " دون الحاج للسفر إلى الحجاز أو طلب العلم في كشمير أو أصفهان أو الأسيتانة "(25)، وبهذه الحكاية نذهب مباشرة إلى حكايات ألف ليلة وليلة، التي تحكي ضمن الحكايات، حكاية (حاسب كريم الدين)، وأن أباه رجل كان لديه الكتاب، وهو على ظهر السفينة، وبعد تحطم السفينة وتناثرت أوراق الكتاب عدا خمس ورقات كانت معه، هي التي تحول الإنسان إلى عالم وعارف بكل شيء(26).

مسجد الشيخ ميثم البحراني

وفي مقابل هذه المعتقدات المنتشرة بين مسقط وسقر وزنجبار، كانت البحرين ليست بعيدة عن هذه المعتقدات، فحين طردت فاطمة وأبنائها من بيت عبدالعزيز، ذهبوا يسيرون في الطرقات حتى وصلوا إلى مقبرة المنامة وتحديدًا لقبر ابنها رشيد، ثم واصلت المسير مع أطفالها لتقف عند مسجد الشيخ ميثم، وبعد أن قدم لها قيم المسجد الماء واللبن والتمر، جلست في المسجد، وحين جلست عند رأس المقام جاءها صوت يقول لها: " سمت صوت رجل غريب يقول: يا أم عبدالله ليكن هذا المسجد مضيفًا لك، أنت من سلالة عائلة كريمة خدمت حجاج بيت الله والمسافرين والعابرين بين الأرض والسماء، كشفت لك حزنك العالق بأطراف ثيابك، سيقف ابنك رشيد على باب جنتك، لك الرضا والرضوان "(27)، والمسجد المعني الكائن في منطقة أم الحصم، هو مسجد الشيخ ميثم البحراني، ولأن المعتقدات لم تقتصر على منطقة دون غيرها، فأتت الرواية بما جرى إلى (أرديان) القادم من أوروبا، المهتم بالتصوير، فبعد ما بات مخمورًا وبدأ تقيأ ويتبول على السرير الذي نقل إليه، جاءه في المنام بالبحث عن الرب، ولابد من الذهاب إلى الهند، وهذا ما فعله، ولكن حين زارها " أمرته آلهة الهند بالعودة إلى أرضه .. لكن جاء مكة وحمل اسم جعفر المصور "(28) بعد إعلان إسلامه.

مستشفى الإرسالية الأمريكية بالبحرين

أما الممرضة روث، التي كانت تعمل في مستشفى الإرسالية الأمريكية بالبحرين، فهي قادمة من العراق (البصرة)، وقد تعرف إليها لدكتور صموئيل وزواجه منها، ثم قدومهما إلى البحرين، ولكن حين تعرفت على مايك القادم من مسقط، نشأت بينهما علاقة أثرت عليها كثيرًا، بل حذر منها صوئيل، مما فرض كل هذا طرد مايك من العمل في الإرسالية والمكتبة، ليعمل عند الشيخ بالمحرق، لكن الأمر ظل على غير رضى، فحاولوا أن يكيدوا له مكيدة يستطيعون من خلالها تسفيره، هكذا " اختلقت ضده قصة استلام برقية من تاجر في مسقط تؤكد هروب عبد أسود ينتحل اسمًا نصرانيًا هو مايك وإذاعتها بين الناس "(29)، فهجّر إلى مسقط مرة أخرى، ثم عاد، ولكن ما يعنينا هنا الممرضة (روث) التي سفّرت إلى بيروت عاشت روث، وتعرفت لجند فرنسي وسكن معها، ولكن فجأة اختفى الجندي، ودخلت في حزن كبير فذهبت إلى الروشة وبمشاهدتها الجبلين يقال أنها رمت نفسها في البحر وماتت، لكن غرفتها برزت فيها شجرة الياسمين وكبرت عند سريرها.. (30).


----------------------------------


1 - كليفورد غيرتز، تأويل الثقافات، ص291.

2 - بيار ماشيري، بم يفكر الأدب؟ تطبيقات في الفلسفة الأدبية، ص167.

3 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص40.

4 - جينز بروكميير ودونال كربو، السر والهوية – دراسات في السيرة الذاتية والذات والثقافة، ص194.

5- انظر: فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص31-32.

6 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص34.

7- يمكن الرجوع إلى: فوزية شويش السالم، النواخذة.

8 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص66.

9 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص27.

10 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص321.

11 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص37.

12 - جينز بروكميير ودونال كربو، السر والهوية – دراسات في السيرة الذاتية والذات والثقافة، ص196.

13 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص239.

14 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص411.

15 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص88.

16 - حضرت الدابة في تراثنا الإسلامي، وذكرت في القرآن الكريم، وتسمى الدابة، أو دابة الأرض، ومن معتقداتنا أن ظهورها تعتبر من علامات الساعة الكبرى، حيث تخرج قبل يوم القيامة، ويقال أن خروجها يكون من الحرم المكي، وتقوم بمخاطبة البشر ووسم وجوههم، وقد قال الله سبحانه وتعالى في سورة النمل، آية82: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يقنون)، ومن الأحاديث النبوية: عن عبدالله عمرو قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثًا لم آنسه بعد، سمعته يقول: (أول الآيات خروجًا، طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على أثرها قريبًا) رواه مسلم.

17 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص47.

18 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص59-60.

19 - بيار ماشيري، بم يفكر الأدب؟ تطبيقات في الفلسفة الأدبية، ص273.

20- فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص68.

21 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص96.

22 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص99.

23 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص76.

24- فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص76.

25 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص76.

26 - يمكن الرجوع إلى: عبدالفتاح كيليطو، العين والإبرة – دراسة في ألف ليلة وليلة؛ وفهد حسين، استجابة القارئ – دراسات في السرد العربي، ص184-186.

27 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص346.

28 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص315.

29 - فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص377.

30 - انظر: فريد رمضان، المحيط الإنجليزي، ص379.


0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email