ثوب الغسق  ورحيل أم عدنان


مقبرة أبو عمبرة في يوم الوفاة 30/7/2020 تصوير : عصام حمّاد

في الخمسينيات من القرن الماضي، وفي حي النعيم الشرقية، اشترى والدي قطعة أرض كبيرة، مساحتها قرابة الثلاثة آلاف قدم، من أحد الأعيان وهو الحاج عيسي بن حماد وبعد تردد البائع وإلحاح أبي، ومع تقديم بعض التنازلات نال موافقة البائع وتحقق الحلم، لم ينتظر والدي كثيرا حتى حوّلها إلى بيت من أربع دور وقد أعطى المرحوم الوالد للدور مسميات؛ وهي دار النعيم، ودار النسيم، ودار السلام، ودار المقام، وفي الوسط كان بستان، لذلك استعان بأوقات فراغه فغرس فيها خمس نخيل؛ ماجية، وغرايتين، وبجيرة، وحلاّو، وفرخي لوز أحدهما سكندري، وثلاث شجرات ورد، وشجرتي ياسمين، أما السلم المؤدي إلى الطابق الأول فقد زيّنه بأصص من أشجار السوسن، ولإتمام هذا العمل والعناية بهذه الأشجار الكثيرة، استعان أبي بأحد الآبار الارتوازية الموجودة في المنزل، وعمل أمام أحد هذه الآبار جباية وغرّافة كما في البساتين في ذلك الوقت. كان يقوم كل صباح بغرف الماء وسكبه في الجباية ومنها في جداول صغيرة تؤدي إلى كل الأشجار الموجودة في البيت. هكذا وعيت في طفولتي على نشاط والدي الدؤوب بالعناية ببستانه، فغرس فينا حبّ الأشجار والنخيل. وعلى مدى عشرين عاما أو يزيد بنى والدي ثمان غرف، وأربعة لياوين، وخمسة حمامات، بواقع غرفة أو غرفتين إضافيتين كل عام، تبع ذلك انتقالي من غرفة مشتركة مع أخي عباس إلى غرفة مستقلة، تكرر هذا الأمر مع إخواني الباقين، وكلما يتزوج أحدهم يترك غرفته لأخيه الأصغر وبالمثل للأخوات، هذا هو الشق الأول من بيت النعيم.

سيد عدنان الموسوي

أما الشق الثاني فإن هذه النخيل كبرت وترعرعت على أعيننا أنا وعباس وإخوتي وعندما بلغنا سن العاشرة كنا نجني الغرّاية والبجيرة كل يوم، حيث كنا نمشي فوق سعفهم في منظر بهلواني من واحدة إلى الأخرى، أما الرطب المجني فكانت والدتي توزعه على الأقارب والجيران حتى غدا منظر النخيل بصمة خاصة للبيت إذ لا يأتي ذكر المنزل دون الإشارة لطولهم وبلحهم، هذا البيت جعلت منه أمي أيقونة خاصة عصيّة على نسيان كل من دخله، ونال من ثمار نخله، وكرم أهل البيت وطيبتهم، هذا البيت يكاد يكون أكبر بيت في حي النعيم في ذلك الوقـت، حتى أن أخوال الوالد من المحمّرة ملا سيد ضياء، وملا سيد محمد القاروني يأتيان إلينا في شهري محرم وصفر من كل عام ويقيمان عندنا، ثم درج على هذا الأمر أبناء خال الوالد، السيد جواد القاروني فتقوم أمي على خدمتهم بكل حب وتفان، بل أن بعض زوجاتهم كن يأتين للبحرين للولادة والنفاس في دار المقام، تحت رعاية أمي! وقد ذكرت أختي فضيلة في ديوان بيت بفيء الياسمين شيئا من التفصيل عن هذا لأمر:

كانت دارا وعيادة

غرفة نفاس

طهر ختان

وأحيانا ولادة

على بابها يبتهل دعاء الصباح

وفي كنفها يحل أقرباء المحمّرة

يدشنون رائحتهم شهورا

ثم يتركون أطلالهم أشعارا ونايات

كل ذلك كان يجري بأمرٍ وتدبير لافت من سيدة هذا البيت حتى أهل الأحساء عندما يأتون لزيارة أبي يقصدون بيت النعيم، وذلك بعد أن توثّقت علاقة نسائهم بالوالدة منذ الزيارة الأولى، ثم استمرت في التواصل معهن في بيتها الثاني في الشاخورة وحتى آخر أيامها، أمي ومع المسئوليات التي ذكرت وعلى كثرة مشاغلها فإنها لا تغفل عن إغاثة الملهوف، والمعوز فكثيرا ما تستضيف عندنا في البيت بين فترة وأخرى نساء عجائز نسيهن أهلهن، أو تناسوهن، ترعاهن، وتعطف عليهن، وتأنس بهن، لأنها إنسانة طيبة، خلقت بقلب يسع العالم، اجتماعية من الدرجة الأولى، تحب الخير للآخرين، بدون استثناء، غني أو فقير، كبير أو صغير. تلك لمحة موجزة عن بيت أعجز عن وصف كل ما مر به من أحداث على مدى خمسين عاما.

المرحومة أم عدنان في لوحة من ابنها الفنان التشكيلي عباس الموسوي على القبر – 30/7/2020

قد يبدو للقاريء أن ذلك البيت مألوفا وعاديا جدا، لكن لا أحد يتصور كيف ومن يدير هذا البيت الكبير ويقوم على خدمته من تحضير الطعام وأعمال النظافة والترتيب، وغسل الملابس وخدمات منزلية أخرى مألوفة، خصوصا أن المنزل كان يعج بالضيوف من المُعممين من أهل الوالد كما أسلفت، ومن طالبي الحاجات لعمل رُقيات وأحراز لأزواجهم وأقاربهم وخلافه. كنت صغيرا في السابعة عندما أُدخلت مدرسة النعيم القريبة من بيتنا قبل الانتقال إلى مدرسة السلمانية، كنا في البداية أنا وأختي الكبيرة بتول، أم حمزة وأخي عباس ثم تدريجيا وعلى مدى عشرة أعوام أصبحنا عشرة من الأخوة والأخوات، كانت والدتي تصارع الوقت بكل ما أوتيت من جلد وقوة وحزم حتى تقوم على خدمة أخوتي الصغار بين الرضاعة والنظافة والرعاية الطبية إذا لزم الأمر في مستشفي النعيم والحمل والولادة، فهي كل عام وفي نفس الوقت تقوم على خدمة البيت وضيوفه، لذلك أصبحت خالتي فاطمة تأتي لمساعدتها كل يوم، ثم بعد ذلك ابنة خالتي نعيمة رحمها الله، وعندما اشترى لي والدي دراجة هوائية بدأت مشوار جديدا إذ درجت والدتي على تكليفي ببعض المهام كالذهاب للسوق لإحضار حاجيات البيت ذلك أن والدي قد عيّن لنا بقالة، وبزّاز، وخياط، ودكان ألبسة، نأخذ منها كل حاجياتنا على مدى العام وذلك ما يعرف اليوم بنظام الكريدت، كنت لم أبلغ الثانية عشرة عاما عندما وجدت نفسي مساعدا لوالدتي في أمور إخوتي وأخواتي وبالتدريج أصبحت صديقا لها وقريبا منها وبدأت المهام تكبر وواجباتي نحوها تتضاعف، وصارت أمور إخوتي وأخواتي من ألزم الأمور عليّ وتتقدم على كل الأولويات، فكانت والدتي ترى في ابنها الذي لا يرد لها طلبا، ومع زيادة المسؤوليات أضيفت لي مهمة جديدة أساسية وهي متابعة تعليم إخوتي وأخواتي وأصبح هذا الأمر خطا احمرا يعمل له الكل في البيت ألف حساب حتى اضطررت إلى ممارسة بعض الشدة لتقويم أي اعوجاج قد يحدث، مكرها لا راغبا ووفقت بحمد الله وتوفيقه في توجيه دفة التعليم نحو بر الأمان.

الخطيب العدناني ( السيد محمد صالح بن السيد عدنان الموسوي 2007 – 1918) مع أسرته في عيد الفطر المبارك. من الصف الخلفي، من اليمين: عدنان، (صبي غريب)، نعمان، صفاة، جليلة تحمل محمود الأصغر، فضيلة، ( أحد الصنّاع حسن عاشور المنوي*). الصف الأمامي: حياة، (أحد الصنّاع سلمان بن أحمد البلادي*) في حجره رضوان وخلفه زكاة، الوالد الكريم في حجره محمود الأكبر، عصمت، عباس وأمامه كميلة وخلفه وسيلة، عمران وخلفه إحسان. (الصورة في عام 1383 هج الموافق 1963م استوديو إعجاز).

بعد عودتي من القاهرة وبسبب قربي من الجهات الصحية بحكم عملي في إدارة الصحة العامة أصبح عندي معارف كثيرة من الأطباء وعندما اشتريت أول سيارة أضافت لي الوالدة مهام الشؤون الصحية للإخوان إذ كان بعض إخوتي ما زالوا صغارا وفي حاجة إلى رعاية طبية من وقت إلى آخر، إلا إني تجاوزت هذا الأمر إلى الأحوال الطارئة والمتكررة، وأصبح من الأمور المألوفة جدا أن توقظني الوالدة لأخذ أحد الإخوان للمستشفى في أي ساعة من الليل لأي فرد في العائلة، هذا غير أوقات النهار بل وتجاوز الأمر حدود البحرين إلى العلاج في الخارج في بومباي والقاهرة عندما لزم الأمر وقد تكللت كل تلك المساعي والحمد لله بالنجاح.

عدنان الموسوي (الكاتب) في بيت النعيم في عام 1974 – تصوير: عمران الموسوي

لا أدري كيف أصف شعوري لأي طلب نحو إخوتي إذ شعرت تدريجيا أنها من واجبات الأبناء وبر الآباء، ثم في السبعينيات صار لوالدي أربع نساء مما زاد من مسؤولياتي عبئا آخرا وهو القيام ببعض الإصلاحات الطارئة في البيت إذا لزم الأمر، وهكذا بالتدريج أضيفت الصيانة إلى واجباتي الأخرى فأضفت مرفقين كبار وهما عبارة عن شقتين في مدخل المنزل ولهما مدخل مستقل، بعد سنوات صار ريع إيجارهما دخل جديد خالص لأحد الإخوان ثم لوالدتي لا يقاسمها فيه أحد، أحيانا لا أعي ما الذي كان يجري لي، هل هو حب الوالدين وبرهما اللذين ألزماني بهذا الأمر؟ أم هو شيء آخر؟! نعم إنها والدتي التي لا تعرف التعب ولا الكسل ولا الاستسلام فكل ما يذكرني بها هو سرعتها وخفّة حركتها وهي تلف البيت من غرفة إلى أخرى بدون كلل في وقت لم تكن فيه خادمات، ولا مكيفات، ولا غسالات كهربائية، لذلك أعانها أبي في الاستعانة ببعض خدمات الجيران في غسل الملابس ونحو ذلك من الخدمات المنزلية الشائعة في ذلك الوقت. كانت أمي تشعر كما لو أنها مخلوقة لرسالة عظيمة وعندما أتتبع مسيرة سنواتي العشر بعد السابعة أشعر أن أمي كانت منوطة بعمل يفوق طاقتها كثيرا فيحن قلبي كثيرا لحالها وذلك يزيدني إصرارا على المضي قدما في الاستجابة لكل طلباتها ولو طال بي المقام في بيت النعيم بعد العام 1979 لم أكن لأتردد في أخذ مسؤوليات أخرى حبا وكرامة ولكن ذلك لم يمنعها من حين لآخر أن تناديني عدنان حبيبي لا تنسى كذا وكذا، أو اجلب لي كذا وكذا، كنت والحمد لله بارا بها وأشد عطفا عليها خصوصا بعد أن رزقني الله نعمة الأولاد.

بيت المرحومة أم عدنان في النعيم اكتوبر 1998 – تصوير: عديلة الموسوي

ألا أن إخوتي تبادلوا الأدوار بعدي باقتدار شديد فجاء أخي الكريم عمران في الثمانينيات ليغدق على الوالدة من حبه وكرمه في الشدة والرخاء لا مديحا ولا إطراء ولكنها الحقيقة، ثم جاء عباس ومحمود في حقبة الألفية ليكملا مشوار الإخوان والأخوات في تقديم كل الخدمات حتى أصبح عباس رجل المهمات الخاصة، وتزامن ذلك الأمر مع الدور الكبير والعظيم لأخي الدكتور طارق الذي صار ابنها المدلل وطبيبها الخاص والتي لا تنام في بعض الليالي حتى يطمئنها على حالها، تحول الدكتور طارق مع الأيام إلى طبيب العائلة الرسمي وأمين أسرارها الصحية حتى الساعة، إلا أن دور أخي عمران لم يتوقف عن مساعدة جميع إخوته وأخواته هذا غير فتح بيته واستضافته لنا كل ليلة سبت، كذلك فتح بيته لكل أعراس أبنائنا حتى عام 2017. هذا الدور مرّ على كل أخواتي ابتداء بالكبرى بتول، وعصمت، وجليلة ووسيلة وكميلة وعديلة وفضيلة التي تواظب على زيارتها كل أربعاء لسنوات. قد يبدو حديثي كما لو كان شيئا من الأساطير ألا أن الحقيقة الساطعة هي أن كل فرد من أولادها وبناتها كان منوطا بدور معيّن في رعاية أمي في بيتها الأخير إلا أن هناك دور هام وبصمة كبيرة لا ينكرها أحد من إخوتي، وهي مساهمات زوج أختي بتول، "أبوحمزة" فقد كان بارا بنا وقريبا منا منذ طفولتنا، لقد كان نعم النسيب، ونعم الأخ، ونعم الصديق، وما زال حتى الساعة، وبعد وفاة والدي رحمه الله توزعت الأدوار: فصار هناك المسئول عن حسابها الخاص في البنك ومصروفها الأسبوعي، والمسئول عن مشاوير المستشفى، والمسئول عن شراء ميرة البيت، والمسئول عن صيانة البيت، والمسئول عن استحضار خدمها وأمورهن الخاصة بالصحة وغيرها، والمسئول عن صحة أسنانها كالدكتور عقيل، أما أختي الكبرى بتول فقد سخرت نفسها تماما لرعاية أمي في الأشهر الأخيرة وكذلك عباس ورضوان . لقد اعتنى إخوتي بالوالدة عناية متفانية، محاولين إسعادها بكل السبل حتى عملوا لها أغنية خاصة في عيد الأم واحتفوا بها في نشيد عائلي خاص، خلال حفل وسام الموسوي السنوي، العائلي عام 2010، بعنوان: "هل سمعتم حديث أمي؟" وهي من كلمات أختي الشاعرة فضيلة، وألحان حفيدها علاء غواص.


في كل مراحل حياتها ورغم أنها لم تدخل مدرسة ولم تحظ بالتعليم إلا أنها نبيهة جدا، لقد غرست فينا حب الحياة والتغلب على الصعاب في شكل رباط قوي قوامه مساعدتها على القيام بواجباتها وواجباتنا نحو بعضنا البعض، فجعلت كل فرد منا صلبا، قويا، دؤوبا لا يعرف الاستكانة أو الفشل. يا إلهي! دائما أشعر إنها مدرسة قائمة بذاتها، وصدق الشاعر حافظ إبراهيم حين قال :

الأم مدرسة إذا أعددتها .. أعددت شعبا طيب الأعراق


الحقيقة لم يقصّر في حقها أحد من الأولاد، وعلى مدى عشرة أعوام أو تزيد، وفي فترة دراسة الأولاد في الخارج استضافها أخي محمود في بونا/الهند في الثمانينات، وبعدها سفرة أخرى إلى بنكلور/الهند مع وسيلة وزوجها والمرحومة خالتي مريم وأولادها، وتوالت السنين بالأسفار السياحية أو العلاجية، فأخذها عمران إلى زيارة إلى لندن، وعباس إلى تركيا مع الدكتور طارق وعديلة وعقيل، وفضيلة، وكذلك أخذتها عديلة إلى تايلند، ثم مع المرحوم الوالد إلى القاهرة مع عصمت وفضيلة وزوجها وجليلة وعمار وخالتي فاطمة. في التسعينيات تكرر الأمر مع الدكتور عقيل إلى مينيسوتا/أمريكا، ثم إلى رومانيا للعلاج برفقة عديلة وكذلك إلى التشيك مع الدكتور عقيل، وتواصل العلاج فكان رضوان وجليلة مرافقا الوالدة في الأردن. في 2001 رافقت أمي أختي عديلة في تكساس/أمريكا حيث وضعت مولودها الثاني، وللعمرة مع بتول ورضوان وغيرها من الأسفار الكثيرة.

في بعض الليالي الحزينة وعندما يشتد عليها الألم تكلمني في التلفون كالأيام الخوالي فقط تريد أن تسمع صوتي وكأنما تستجدي مني حلا لحالتها الصحية الحرجة والقولون الذي لا يستكين ولا يهدأ، فأقول لها بلطف وخجل يا أمي العزيزة هذه الأمور من اختصاصات أخي الدكتور طارق وهو المسئول عن حالتك أو حفيدك الدكتور نزار الحداد، لا أدري كيف جرت الأمور على هذا النحو وكأن هناك صوتا في داخلي يقول :لقد أديت واجبك وجاء دور غيرك وليس لك من عمل هناك الآن سوى مواساتها، إنه وقت الآخرين فتستريح نفسي وتهدأ خواطري، وهكذا كل فرد من إخوتي كان له نصيب كبير بحكم طول العمر والعشرة الطويلة والرباط الوثيق الذي جمعتنا به كلنا وآخرهم أختي أم حمزة وجليلة وكميلة وأخي رضوان وعباس الذين لازموها في السنة الأخيرة من عمرها ولم يفارقونها يوما واحدا وكانوا يستحثوننا على الحضور واحدا بعد الآخر كل مساء، ولا أحد ينكر الدور الكبير لأختي عصمت في استضافة أمي في بيتها لأكثر من شهرين في العام الماضي، وقد حاولت عصمت أن تستبقيها أكثر لكنها رفضت، كما لكميلة دورا كبيرا ومتواصلا لا ينسى مع أمي، فهي في صحبة دائمة معها، تأخذها لزيارة خالاتي، وتندبها أمي لتوزيع هداياها إلى الصديقات خصوصا في سنواتها الأخيرة، كما استضافت أمي في بيتها مدة شهر في العام 2003 حيث كانت التحضيرات جارية لنقل الوالدة إلى بيتها الأخير، وكان من مهام كميلة هو شراء مواعين المطبخ وأطقم البوفيه وغيرها، وتحت إشراف أمي. هذا غير جليلة، وفضيلة، ووسيلة وكميلة، وعديلة وأخي الدكتور عقيل الذي لا يتأخر عن علاج أي أحد منا بدون مقابل! والذي أصبح في الآونة الأخيرة يعالج أسنان أمي وهي في بيتها وعلى سريرها.

شيء غريب جدا أن يتوارث إخوتي هذا الدور واحدا تلو الآخر بكل أريحية وسعة صدر رغم شكوى والدتي المتكررة في السنوات الأخيرة بسبب الآلام التي أنهكتها كثيرا، كنت استعين ببعض أصدقائي الروحانيين في تخفيف آلامها وكنت أعرف مسبقا كيف ستكون النتيجة ستتحسن حالتها الصحية ولكنها من جانب آخر ستشتد علينا كثيرا فتعود لشكواها المألوفة مرة من الشغالة وأخرى من فراغ قاتل تنزل فيه حمم غضبها علينا بسبب انقطاع البعض عن زيارتها بشكل يومي، رغم محاولاتنا الحثيثة للاعتذار بسبب مشاغل أولادنا وبيوتنا ثم ما أن ينقطع العون الروحي حتى تعود لشكوى المرض والآلام، هكذا أصبح حال الجميع بين مطرقة الآلام والمرض وسندان الفراغ والملل الذي يفزعها، خصوصا وأن أمي شخصية صلبة، وقوية جدا، إنسانة معتدة بنفسها، ولديها من الأنفة والشموخ مما أتعبها في الهرم والشيخوخة، فكل معاناتنا معها بسبب رفضها لواقعها المرير، وهو الضعف والعجز.

هذه المشاهد أعلاه مرت عليّ كاملة كشريط سينمائي منذ طفولتي حتى ساعة أبلغتني زوجتي نبأ وفاتها بحذر صباح يوم 30 يوليو 2020، انتظرت وحيدا لبعض الوقت كي أفيق من هول الصدمة وأكلم أخي عباس الذي عزّاني قائلا: لقد أدّت أمانتها واستراحت، شاطرته الرأي وانأ أقول في داخلي: هذا اليوم غير عادي أبدا لكنه مثل وقع السيف الحاد، لن أشعر به الآن ولكن ستمر بي ساعات عصيبة في الأيام القادمة هكذا هو الأمر عندي أتلقى الضربة دون ألم ثم تدريجيا يتسلل الوجع المبرح، وألم الفراق والحزن والحسرة إلى نفسي يوما بعد يوم إلى أجل غير معلوم، في وقت تكون الناس قد نست وعادت إلى سابق أمرها، لا ادري لماذا؟ ربما لأنها ضريبة الجلد الذي ورثته من والدتي.


في أوائل الألفية كنت أخفف عنها آلامها وكنا نتبادل القصص عن أحوال البيت وكانت تقول: هل تذكر يا عدنان عندما كنت مسئولا عن إخوانك وأخواتك وأمراضهم وتعليمهم؟ ولكنك قبل ذلك كنت صغيرا جدا لا تدري ما كابدته في بداية حياتي مع والدك، كان البيت مكشوفا على غرار البيوت في تلك الأيام وحين يصادف في ليالي رمضان بردا شديدا كنت أعد وجبة السحور لوالدك، وكان العبور من المطبخ إلى دار النسيم (المجلس) طويلة والجو شديد البرودة فأشعل نارا خفيفة في وسط الحوش لكي أتدفأ عند مروري بها! هل تعرف عندما كنتم صغارا كنت أعد الفطور والغذاء والعشاء، ثم بعد العشاء أغسل ملابسكم بماء بارد في الشتاء وأنشرها فوق السطح، ومن شدة البرودة تزرق أصابعي !! الحمد لله الذي أكرمني بسيد من آل الرسول وبيت مبروك. أجل بيت النعيم مبروك يا ولدي ربيت فيه سبعة أولاد وسبع بنات كلهم أكملوا حياتهم بنجاح، لم ينحرف منهم أحدا أو يحيد عن جادة الطريق، ليس ذلك فحسب، إذ لم يتعرض فيه أحدا من أولادي إلى مرض أو حادث إلا وكنت أنت أو أبوك من يساعدني حتى يعود سليما معافى ثم تحمد وتشكر الله كثيرا كثيرا.

عندما تكون أمي في أحسن حالاتها الصحية تكون إنسانة رائعة ودودة لطيفة وكل الصفات الإنسانية الطيبة تقطر منها عفويا حتى تدهش الحضور، إلا أن غضبها صعب للغاية ولكن بعد الغضب تهدأ وتعود أم عدنان الودودة الرحيمة العطوفة فننسى تلك النوبات الخاطفة.


في يوم الخميس 30 يوليو وعلى مشارف الغروب وبينما نحن نواري أم عدنان الثرى كان ثوب الغسق يلف السماء بحمرة برتقالية جميلة بينما الشمس تتسلل نحو الأفق، وقفت مشدوها من هذا المنظر المهيب، يا إلهي! كم أحببت الغسق حتى صرت أواظب على مشاهدته كل يوم في رياضة المشي، كان هناك صوت خفي يناديني كل يوم: املأ عينيك كثيرا من حمرة الغسق فهناك مفاجأة تنتظرك في قادم الأيام، إلا أنه لم يخطر ببالي أبدا ولم أكن لأصدق للحظة أنني سأشهد الغسق في ذلك اليوم على فراق أعظم شخصا أحببته وهي أمي الغالية، أم عدنان.

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email