عالميـة الأدب


هل فكر أحد منا كيف تكونت ثقافتنا؟ كيف بنى أجدادنا حضارتنا؟ كيف أصبحنا ضمن هويات متعددة؟ هل هناك قاسم مشترك بين الحضارات؟ بين الثقافات؟ بين الهويات؟ بين أحلام البشر وتطلعاتها؟ هل نحن الشعوب المتعددة بلغاتها وألوانها وأعراقها ودياناتها والخ. نحن شعب واحد في الإنسانية، وإن تعدد كل ما سبق؟ ذلك الذي أشار إليه القرآن الكريم في سورة الحجرات، آية رقم 13 ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا ....) صدق الله العظيم

وبتفكير بسيط وغير معقد، فإن المرء يعرف أن هناك حضارات وثقافات وقوميات وديانات وأعراف ولغات وأعراق، وهذا أمر واقع، ومحال أن كل هذا يأت بمحض الصدف ليكون واقعًا، بل هناك فكر وتطلع وحلم وبناء وأهداف، ولكن هل فكرنا، ما القواسم المشتركة بين كل هذا؟ وبخاصة أننا دائمًا نقول: الفن الموسيقي والفن التشكيلي هو لغة عالمية، بمعنى ليس شرطًا أن تتقن اللغة أو تعرف مدارس الفن أو الدراية بعالم الموسيقى، لكي تكون ميّالا لهذا الفن أو ذاك، فكثيرًا ما نتسمر واقفين أمام لوحة تشكيلية، نعجب بها، أو ببعض من جمالياتها ما استطعنا كشفه من دون وضوح أسباب هذا الإعجاب، أي أننا متفقون على أن هذين الفنين لهما لغة عالمية. وهنا نتساءل في سياق المكان؛ هل الأدب عالمي؟ أم قاري؟ أم مناطقي؟ أو في سياق التكوين: فهل هو أممي؟ أم قومي؟ أم شعبي (القصد شعب منطقة أو دولة)؟ أو في سياق الدين: فهل هو يهودي أم مسيحي أم إسلامي؟ أو في الفكر والثقافة، فهل هو إيديولوجي؟ وهل الأدب تعبير عن ممارسة فردية أم جماعية أم الاثنتين معًا؟ وهل الأدب ملك أحد أم ملك كوني؟

بل علينا أن نقف متأملين العلاقة والأسبقية فيما يتعلق بالثقافي وبالأدبي، أي هل نؤمن بالثقافة لتكون عالمية أو بالأدب ليكون عالميًا؟ وأين يكمن الخاص، وأين يكمن العام؟ ومدى تحول كليهما للآخر، وبخاصة لو أسقطنا هذا على الأنماط الاجتماعية بشكل عام فيما يخص طرائق تناول الطعام والشراب، ونوعية الأواني والأطباق والملاعق وهكذا، حيث قبل عشرين أو ثلاثين سنة كان التباين واضحًا في هذا، ولكن مع مرور الوقت، وتلاقي الثقافات بين الشعوب والتواصل الاجتماعي المناطقي باتت كثير من هذه الأعراف والسلوكيات الاجتماعية متواجدة في كل المناطق والدول تقريبًا، بدليل حاليا حينما نذهب إلى المطاعم العالمية المنتشرة في البحرين أو أية دولة عربية، سنجد على الطاولات الملاحق وعيدان الطعام التي كانت في يوم من الإيام محصورة على دول شرق آسيا، بل لا أحد البتة يستغرب حينما يرى عربيًا بالتحديد يأكل بواسطة هذه العيدان، وكما كنا قديما لا نستعمل الملاحق ولا الشوك ولا السكاكين في الأكل بات حاليا كل شيء ممكنا وعاديًا، وهنا هل يمكننا القول بأن السلوك الاجتماعي في تناول الأطعمة أصبح عالميًا ومفتوحًا، ولم يعد مناطقيًا ومغلقًا؟

وبالعودة إلى الأدب، فهناك الكثير من أبناء الوطن العربي يقرأ بالإضافة إلى ما تنتجه اللغة العربية تلك الكتب التي تصدر بلغات أجنبية متعددة شرقًا وغربًا، وفي أثناء القراءة هذه تتكشف لنا جماليات النصوص المناطقية أو الخصوصية، أو تلك الحكايات التراثية والشعبية، وربما يحاول البعض تحويل هذه الخصوصية المعنية بمكان أو زمان معين، إلى خصوصية لغته أو قومه أو مكانه وزمانه، وكأنه يحاول جعل ما قرأه مطواعًا ليصلح نصًا مفتوحًا ليس في دلالاته ومضامينه فحسب، بل في إنشائه وتكوينه، وهذا بالطبع متوقف على طبيعة النص وقيمته التي تسلك مسلك العالمية حتى وإن لم تظهر علانية، ولكن لو وقفنا عند نصوصنا نحن في العالم العربي أو في منطقة الخليج أو في أية دولة من دولنا، كم من هذه النصوص تصلح ليكون محيطها عالميًا؟ وكم منها يمكن للقارئ التعامل معها بوصفها نصوصًا خارج المكان، أي ما الصفات والخصائص التي تحوّل الأدب عامة من قوميته أو مناطقيته أو أيديولوجيته أو لغته ليكون عالميًا؟ سؤال لا نجيب عنه، بقدر ما نطرحه على المبدع العربي الذي يأخذه شغف الاطلاع، وحب المعرفة، وطرح القضايا الشائكة بوعي وإدراك، الذي يكتب ليكون حاضرًا في المشهد من دون رسم خريطة فضاء لمشروعه الكتابي، وتحوّلات طبيعة الكتابة والتناول والطرح.

ليس سهلا أن نطلب من المرء التخلي عن شخصيته أو عن قوميته أو عن موروثه الثقافي في خضم رغبة التحول إلى العالمية كما حدث إلى محاولات العولمة التي تفضي إلى محو أو اضمحلال القوميات الصغيرة، وثقافاتها، لتنخرط في الثقافات الأخرى، وهو ما لم تنجح فيه، بل بدأت هذه القوميات المتناثرة على سطح الكرة الأرضية في البروز والظهور كلما اجتاحت مناطقها الدمار والحراب، أو محاولة طمس هذه الأقلية، أو ذاك الدين، أو هذه الثقافة، لذلك من الصعوبة في هذا التحوّل، ولكن لابد من جعل هذه الأقليات والقوميات الصغيرة ذات مكانة مثل ما للقوميات والثقافات واللغات ذات الانتشار والسطوة في العالم، أي أن تكون حاضرة، وهذا ما يدعو إلى الاهتمام بمنجزاتها الثقافية والحضارية، ونقلها للعالم لتكون عالمية الانتشار وتأخذ الدور العالمي دون فقدان هويتها الأصلية، أي أن تطرح هذه القوميات على نفسها سؤالاً بكيف تتمكن من حضورها عالميًا، وما المحكات التي ستخوضها في هذا المضمار.

والأمر الذي لا نختلف فيه، هو أن كل مرحلة تاريخية (لستُ هنا معنيًا بالتحقيب) تفرز لنا مجموعة من الكتاب، وشرائح من المثقفين الثقافة العامة، والثقافة الخاصة، ومتى ما استطاعت هذه المجموعة تكريس دورها وجهدها الإبداعي أو النقدي أو الفني، بقي هذا النتاج واقعًا ملموسًا أفقيًا في بعديه التاريخي والجغرافي، ولكن حينما تكرّس كتاب هذه المرحلة أو تلك في تفكيك الحراك الثقافي والأدبي والفني، أي أنواع التعبير المختلف، والأشكال المتعددة، والقوالب التي تملأ فيها هذا النتاج وذاك، وهو طالما كنا ولانزال نحلم بانفتاح النصوص والثقافات على الآخر، وهو ما يفرض علينا طرحًا وسؤالا وسجالا وتقييمًا حقيقيًا والبقاء الدائم في ديناميكية الحوار؛ لأن مراجعتنا النقدية تسهم في بلورة الأفكار وصياغتها، والمساهمة في بناء ما هو في المستقبل، بل من الأجدى أن تقوم كل مرحلة بتقييم ما سبقها والخروج من محيط انغلاقها الراسخ، وبهذا فإن تقييم المرحلة كاشف عما تريده، وما يريده كتابها في المجال الذي عملت فيه، وبالأخص الثقافي والإبداعي الذي لا يلغي الماضي التاريخي أو الحضاري أو الثقافي.

وبرغبتنا في جعل أدب الأقليات المناطقية أو القومية أو اللغوية أدبًا عالميًا؛ لأننا نرى ضرورة المزج والتلاقي والتشابك بين العام والخاص، ولدينا بعض الأمثلة التي نعتقد أنها اتجهت في هذا الاتجاه، فقاسم حداد في ديوانه (طرفة بن الوردة) استطاع الخروج بمعاناة طرفة وبأفكاره ونصوصه ومرحلته التاريخية المنغلقة إلى جغرافية أرحب، وتناول أوسع، ورؤية أنجع، وفعل الشيء نفسه أحمد العجمي في ديوانه (في مرآة علي) حين وقف على أبعاد في مسيرة الإمام علي غير المؤثرة بالنسق الديني، إذ وقف على آرائه المتعلقة بالحياة السياسية والاجتماعية والفكرية، وعلى العدالة، ومحاربة الجهل والفقر والمرض، وهذا يعني الانتقال من الخاص الذي يتمسك به البعض، إلى العام الذي ينتظره القراء في كل مكان، وكذلك فعل فريد رمضان في روايته ( المحيط الإنجليزي) حين ناقش ميثولوجيا الشعوب، أو الهجرات والنقلات بين بني البشر، وحين وقف عن عمليات البيع والشراء لأجساد البشر دون عواطفهم وعقولهم، فهو لم يعنِ المكان الجغرافي الخليجي بقدر ما يشير إلى عالمية هذه الظواهر ونتائجها على المجتمعات والعقل البشري، من هنا نعيد الفكرة بالسؤال: إذا آمنا بأن الأدب هو عالمي، باللغة، أو بالأفكار، أو عبر التوجهات، أو في الغايات؟ وماذا؟

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email