كدمة


قصة قصيرة بقلم: ستوارت ديبك Stuart Dybek


ستوارت ديبك كاتب قصصي وشاعر أمريكي معاصر، ولد في عام 1942م وله عدة كتب منها (ساحل شيكاغو) و (أبحرت مع ماجلّان) و (حب الفوانيس الورقيّة) و (الطفولة والجيران الآخرون). حصل على عدة جوائز أدبية منها جائزة بن/مالامد وجائزتا "وايتنج" و "ري " للقصة القصيرة.



جاءت وهي ترتدي قميصاً رجالياً أبيض مطوياً عند الأكمام وسترة طويلة زرقاء باهتة مما جعل عينيها تبدو أكثر زرقة.

"انظر" قالت وهي تجلس على الأريكة وترفع ببطء السترة فوق ساقيها كاشفة عن كدمة خارج فخذها.

كان ذلك في فصل الصيف. صباغون ملتحون يرتدون بذلات عمل مكسوة بالبقع ويطلون خارج المنزل باللون الأبيض. من خلال النوافذ المفتوحة يستطيع هو وهي سماع الصباغين وهم يكشطون الطلاء القديم المتساقط من الجوانب في جهة واحدة من المنزل، وطقطقة الفرشات المشبعة بالطلاء في الجهة الأخرى.

"هذه الألواح القديمة حقاً تمتص الطلاء" كان أحد الصباغين يقول من وقت لآخر.

"إنني دائماً أصاب بكدمة بسهولة " قالت وهي تخفض من صوتها لكي لا يسمع الصباغون.

الكدمة تبدو زرقاء خلف الشبكة الحمراء من النايلون. كانت على بعد قليل من الورك وفوقه، واستطاع أن يرى الشريط الأسود لسروالها التحتي. كان يوماً حاراً وصلت فيه درجة الحرارة إلى نحو 90 درجة، وبينما كان يفحص البقعة التي رفعت هي ملابسها عنها، دار في ذهنه بأنه، حتى الآن، في هذه اللحظة، هناك اختيار. ربما لا تكون الأمور بينهما غير قابلة للإصلاح كما تبدو. دار بذهنه فجأة وهو يتفحص الكدمة بأنه ربما لا يزال ممكناً أن يقول لها شيئاً غير مشحون بمعانٍ سرية. كان اتجاه حياة كل منهما لا يمكن السيطرة عليه لكن من الممكن تغييره، ليس ببعض البوح والمكاشفة، بل من خلال دردشة عادية، وبملاحظة بارعة، أو نكتة ، أو بسؤال بسيط. ربما يسألها لماذا ترتدي جوربا طويلا في يوم حار كهذا. هل لأن ساقيها ليستا محمرتين بعد؟ ربما ينهض من الأريكة ويسألها إن كانت ترغب في عصير ليمون، وحينما تجيب بنعم، سيذهب إلى المطبخ ويعده لها، عصير ليمون حقيقي معمول من الليمونات المتوفرة في ثلاجته والتي عصيرها البارد ممزوج بالسكر والماء، السكر ذو الحبوب الذي يهمس وسط الثلج، ومكعبات الثلج في جرة زجاجية متعرقة تصدر صوتا مثل جرس معبد.

يستطيعان الجلوس وارتشاف الكأسين الباردين وهما يتحدثان حول شيء غير معقد كالطقس ويثرثران بالطريقة البسيطة للصباغين، ليس لأنهما يفتقران إلى أشياء أكثر تشويقاً، بل لأن الوقت كان صيفاً وحاراً وهي تبدو غير منتبهة للحرارة.

بدلاَ من ذلك، حينما وضعت إحدى ساقيها فوق الأخرى بطريقة رفعت ملابسها بصورة أعلى وحركت جسدها تجاهه، لمس الكدمة بطرف أصبعه وضغطها بشكل أنعم من ضغط زر مصعد.

"أوه" تأوهت بشفتيها رغم أنها لم تقلها تماماً. أطلقت زفرة وهي تغلق عينيها الزرقاوين ثم تفتحهما بشكل أوسع في شبه دهشة وحدقت فيه. كانا يجلسان قريبين جداً من بعضهما ووجهاهما شبه متلامسين.

حينما رفع أصبعه عن الكدمة، مدت هي شبكة النايلون لكي يرى بوضوح أكثر تدرجاتها المختلفة من اللون الأزرق. لمعان شاحب أخضر يحيط بها مثل هالة، وشعيرات دموية أرجوانية تجري في كل الاتجاهات كشقوق ضئيلة، كشبكة من الأنهار على خارطة، وكان هناك لون بنفسجي في مركزها كالبقعة.

"إنها قبيحة، أليست كذلك؟" سألته في همس.

لم يرد، لكنه ضغط على الكدمة مرة ثانية، ببطء وبعمق فانحرف رأسها إلى الوراء على مخدّة. هذه المرة تأوّه شفتيها أصبح مسموعاً. أغلقت عينيها وتأوهت وهي تعيد ساقيها إلى وضعهما السابق وتجري أظافر أصبعها على المساحات الداخلية لفخذيها. كانا يجلسان متقاربين جدا لدرجة أن صوت أظافرها وهي تحك على طول شبكة النايلون بدا له أشبه بالخشخشة التي سيسمعها الصباغون.

بسطت ساقيها ووضع يده على حضنها وشعر بمخدّة الشعر خلال النايلون، والحرارة، الحرارة الحقيقية، كالصيف خلال باب زجاجي ،عاكسة كف يده.

ضغط على الكدمة مرة أخرى وأخرى. وفي كل مرة كانت تعيد تشكيل شفتيها بحرف صوتي متحرك بدا مدهشاً على نحو متزايد.

في الخارج تحوّل المنزل تدريجياً إلى لون أكثر بياضاً. تحللت شمس الصيف إلى أشياء ذهبية بخارية في الأشجار. أما الكدمة التي لم يسأل هو أبداً عن كيفية اصابتها بها، فقد انتشرت عبر السماء.

57 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email